في ظل غياب أي تقييم للقوى العالمية،هل تعتبر سوريا إحداها؟ بالنظر إلى أن عدد السكان الذي وصل إلى 17 مليون شخص،فإنها أصبحت الدولة رقم 54 بين الدول من حيث عدد السكان. والناتج المحلي الاجمالي يصل إلى نحو 65 مليار دولار اميركي،ويقدر أن نحو 75 في المئة من سكانها يعيشون تحت مستوى خط الفقر. و كانت لدى سوريا تطلعات تتمثل في أن تصبح قوة إقليمية (وهو الطموح الذي كان يطبق من خلال قوة عسكرية يعتد بها)،غير أن تأثير دمشق تم تقليصه إلى داخل أراضيها وأبعد بقليل.
إلا أنه في عام 2015 لعبت سوريا دورا أكبر من حجمها في العلاقات الدولية، مظهرة ما يسمى ب «تأثير الفراشة»، ومفاده أنه لو أن فراشة ترفرف بأجنحتها في بكين فإنها يمكن أن تتسبب بعاصفة في نيويورك. وقد تردد تأثير عدم الاستقرار في سوريا عبر الكوكب، وهو ما يؤرق النظم السياسية في العالم.
تداعيات الحرب
استعداد الرئيس السوري بشار الأسد لمواجهة حرب أهلية تتزايد دمويتها أتى بنتائج متوقعة. ونزح نحو 6.5 ملايين شخص داخل سوريا. وأجبر نحو 4.4 ملايين لاجئ على النزوح إلى دول أخرى، وهناك 633 ألفا في لبنان، وهو ما يوازي نحو ربع عدد سكانها، ونحو 1.07 مليون شخص نزحوا إلى الأردن، أي نحو 10% من عدد السكان، وهو ما أتى على الخدمات وزاد من الضغط على منظمات الإغاثة الدولية، وهدد الاستقرار في الدول المجاورة، ودفع بالمجموعات العرقية إلى البحث عما هو مشترك،من دون الأخذ في الاعتبار الحدود الوطنية، مثل الأكراد في تركيا وسوريا، وهو ما يدفع مجموعات أخرى للرد بالمثل.
وعلى الرغم من ذلك، لم يتوقع أحد أن عددا يماثل موجة اللاجئين التي تمخضت عن هذا الصراع يمكنه أن يصل إلى الشواطئ الأوروبية، وأنهم قد يفرضون تهديدا أكبر على التكامل الأوروبي على امتداد تاريخه. وفي البداية عارضت الحكومات الموجودة شرقي ووسط أوروبا الأمر، محذرة من أن تدفق اللاجئين من الشرق الأوسط يشكل تهديدا للمجتمعات الغربية.
وتطور هذا التهديد إلى أمر أكثر خطورة تمثل في الإرهابيين الذين أخفوا أنفسهم بين اللاجئين كي يتمكنوا من استهداف بعض الأهداف في الغرب، وهو الخوف الذي اصبح حقيقة،متمثلا في هجمات باريس في نوفمبر الماضي. ومسألة أن الجناة أصبحوا مواطنين أوروبيين وليسوا لاجئين أمر تم تجاهله في الاندفاع نحو إغلاق الحدود والتحسب للهجمات المستقبلية.
ويدور النقاش بشأن نظام شنغن للسفر بدون تأشيرة إلى جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، الذي يعتبر واحدا من أهم وأكثر المؤشرات على التكامل الأوروبي، وقد يكون وقفه خلال سنوات مقبلة خيارا حقيقيا. عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي قد تكون في خطر بالنظر إلى ما قاله رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون،الذي أوضح أنه سيجري استفتاء حيال هذا الموضوع قبل نهاية عام 2017.
هيجان شعبي
خطر الإرهاب أثار هيجانا شعبيا أتى على مناطق مختلفة من أوروبا، وحوّل النقاش السياسي الجاري في الغرب، وغطت المخاوف الأمنية الوطنية على المخاوف الاقتصادية، مما أدى إلى دعم عودة الأحزاب اليمينية،مثل الجبهة الوطنية في فرنسا وحملة دونالد ترامب في الولايات المتحدة. ويعتبر الخوف اليوم عملة النقاشات السياسية الوطنية، وأسس أحزابا باتت تثبت عدم قدرتها على نحو متزايد على التعامل مع الغوغائية التي تروج لها.
وفي السياسة الخارجية،فإن الحرب السورية الأهلية منحت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مجالا لإعادة تأهيل العلاقات مع بقية العالم. وتدخل بوتين بقوة في الصراع، وعلى حد قوله فإن تنظيم «داعش» المتطرف هو هدفه الأساسي، ولكن يبدو أن القوات المعارضة للأسد تركز على حملات القصف الروسية. وقد استخدم فرصته لتشجيع قادة آخرين من أجل «التغافل» عن ضم شبه جزيرة القرم والتوغل في أوكرانيا، في الحرب الأهلية التي لاتزال تتفاقم من تلقاء نفسها.
ويدعي تنظيم «داعش» أن تأسيسه للخلافة يعتبر الخطوة الأولى فقط في صراعه لقلب النظام في الشرق الأوسط. فأراضيه آخذة في التوسع، على الرغم من أن الملكية الفعلية للأراضي على اعتبار أنها جزء من مهمة التنظيم، تتعرض للانتقاد. وهذا يحفز بعض المسلمين على امتداد العالم على الهجوم على أهداف لا علاقة لها بالمسلمين، وهو ما ينذر، حسب رؤية البعض، بإشعال صراع بين الحضارات. الخوف الذي أشعله والمبالغة في رد الفعل هو تحديدا ما يسعى إليه التنظيم. استخدام مصطلح «الشرق الأوسط» أتى من خرائط وزارة الخارجية البريطانية، التي وضعت المنطقة الواقعة وسط العالم بين بريطانيا والشرق الأقصى. وبرهن عام 2015 على أن مهارات رسم الخرائط ووجهات النظر قد تغيرت، لكن الشرق الأوسط يظل مركز العالم.
قدرات
حال تعززت قدرات بوتين بسبب النزاع في سوريا، فستضعف قدرات الرئيس الأميركي باراك أوباما. وفشله في وضع حد لاستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا يؤرقه إلى اليوم. وقد فشلت إدارته في التعامل مع تنظيم «داعش«
وفي النهاية، هناك مؤشرات في الشرق الأوسط ذاته تفيد بأن الحرب الأهلية السورية أصبحت حربا بالوكالة. الحرب الميدانية ليست في سوريا فقط. وعجز حكومة بغداد عن تحقيق ولاء جميع مواطنيها دفع ببعض السنة إلى الانضمام لقوات تنظيم»داعش«، وهو ما يتعين التصدي له والتغلب على مبرراته.
