سطر تحرير الرمادي، أخيراً، انتصاراً لكل من العراق والولايات المتحدة، وهو يشكل، على الرغم من تواضعه، مجموعة حقائق مهمة لفهم أبعاد سقوط المدينة قبل سبعة شهور ومعناه بالنسبة لمستقبل العراق ومسار التحرك الأميركي هناك.
استغرق تحرير الرمادي سبعة شهور من الاستعدادات، على الرغم من المزايا الهائلة التي تحظى بها قوات الأمن العراقية. ولشهور عدة ظلت المدينة خاضعة لسيطرة أكثر من ألف مقاتل من تنظيم «داعش»، وأقل من بضع مئات في الآونة الأخيرة، وقامت قوات الأمن العراقي مقابل ذلك بحشد ما يقارب عشرة آلاف عنصر وتسليحهم بالمدفعية الثقيلة والمدرعات، بما يعادل عشرة إلى واحد، وحتى عشرين مقابل واحد في ميزان القوى، مما كان يجب أن يؤدي إلى هزيمة نكراء لعدو محصن بشدة يدافع عن موقع مليء بالركام.
وفي الواقع، جاء الحصار الممتد على سبعة شهور نتاج اختلالات متواصلة في القيادة العسكرية العراقية وهيكلية السيطرة، كما السياسة العراقية عموماً، فعلى الرغم من رحيل رئيس وزراء العراق السابق نوري المالكي عن مركز القيادة، إلا أن تسييس الجيش لا يزال مستمراً. وبرغم إزاحة بعض السياسيين المفتقرين للكفاءة عن مراكز السلطة في العراق، فلا يزال هناك العديد منهم.
إلا أن العراق يحتاج إلى أكثر من مجرد خطب أميركية رنانة، حيث إن الانتقادات والإملاءات على العراقيين لحضهم على القيام بما فيه مصلحتهم لا تجدي نفعاً. فأميركا خلقت فراغاً في السلطة عام 2003، كررته عام 2011، وقد انعكس ممزوجاً بالثقافة السياسية المهلكة في العراق، غياباً للتحرك الجماعي مهما كانت الفوائد، ما لم يقترن بضمان كل جهة لمصالحها وأمنها.
ومن هنا يتجلى دور أميركا، فالتغيرات التي شهدها العراق في الشهرين أو الثلاثة الأخيرة لم ينبثق من الضغط الأميركي على العراق باتجاه استعادة الرمادي، بل بتأمين المصادر لتحقيق ذلك.
لا شك في أن هناك مصالح أميركية وإيرانية مشتركة في العراق، وأخرى تقع على طرفي نقيض، مما يزيد الأمور تعقيداً.
ويبرز أحد السيناريوهات الذي ينبغي أن يكون مقبولاً لدى الولايات المتحدة كونه يلبي جميع متطلباتها ومصالحها تقريباً، فيتيح للحكومة العراقية النزوع نحو واشنطن أكثر من طهران، على الرغم مما يشكله ذلك من صراع على النفوذ السياسي في العراق، والذي يعتبر حتماً أفضل من الوضع الحالي في العراق، إذا أعادت قوات الأمن العراقية توحيد العراق وجلب الاستقرار وطرد «داعش».
إلا أن الدرس الذي يستقى من الرمادي هو أن المستقبل لن يتحقق من دون المزيد من المساعدات الأميركية. ويشير أوباما إلى ذلك بكلام أفضل ما يقال فيه إنه إطناب لا يوفر نهجاً سياسياً يحتذى، حيث يقول: «يجب أن يقوم الأميركيون حيال العراقيين بما ينبغي أن يقدموه هم لأنفسهم». والحقيقة هي أن تحرير الرمادي أثبت أن هناك أموراً تحتاج أميركا من العراقيين القيام بها، ويرغبون هم أنفسهم القيام بها ويستطيعون ذلك، لكن فقط بمساعدة أميركا.
أداء
على الرغم من وحشية مقاتلي تنظيم «داعش»، فقد أثبت المقاتلون العرب والأكراد قدرات هائلة، كما كانت قوات الأمن العراقية مدعومةً من سلاح الجو الأميركي. وقد خضع عدد من الألوية المشاركة في عملية الرمادي لتدريبات وتجهيزات من التحالف بقيادة أميركا، وجاء أداؤها أفضل.
