تشكل التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية، أخيراً، بغض النظر عن قوتها وطبيعتها، تذكيراً هو الأحدث بمواصلة النظام المتكتم في بيونغيانغ تحدي المحاولات الدولية لتقزيم طموحاته النووية، وهو أمر لا يجوز التغافل عنه واعتبارها مجرد دولة تواقة لحيازة السلاح النووي، وغير قادرة على الحصول على تكنولوجيا التصنيع النووي والصاروخي.

ويبدو التباين صارخاً حيال التجربة، فزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يعتبر الأسلحة النووية، على ما يبدو، ضمانةً لاستمرار حكمه. في حين أن دول العالم قاطبةً، بما في ذلك الصين أقرب حلفاء كوريا الشمالية، ترى التجربة مجرد عبء ثقيل آخر، يجر شعب كوريا الشمالية إلى كيان أكثر فقراً وانعزالية.

التفجير وكيفية الرد

ويتبادر في ظل ذلك السؤال عن كيفية الرد، سيما أن قرارات مجلس الأمن السابقة والعقوبات الدولية المفروضة لم تحصد بعد النتائج المنشودة. ويقتصر لبّ المسألة اليوم حول ما إذا كانت أميركا وكوريا الجنوبية والصين تحديداً ستتفق على اعتماد المزيد من الإجراءات المؤلمة بما يكفي لكوريا الشمالية والآيلة إلى دفعها فعلياً إلى تغيير سلوكها.

وفي هذا الإطار، كتب الصحافي الكبير جوناثان بولاك من مركز «بروكينغز» لدراسة سياسات شرق آسيا يقول: «لابد للهدف في المستقبل البعيد من أن يتجلى بالحفاظ على أوسع تحالف ممكن ينطلق من الإقرار المشترك بأن تطوير برامج أسلحة كوريا الشمالية وتنوعها يشكل تهديداً عاماً غير موجه إلى دولة محددة».

ويشير ديفيد أولبرايت، الخبير النووي ومؤسس معهد العلوم والأمن الدولي، إلى أن ما فجرته كوريا الشمالية لم يكن قنبلة هيدروجينية، وأنها لو كانت قد فعلت فقد أخفقت. ومن المحتمل أن تكون بيونغيانغ تخادع في هذا الشأن، وأنها استخدمت شيئاً مماثلاً للقنابل التي فجرتها من قبل، كما يرجح أن تكون قد أجرت اختباراً على جهاز نووي حراري في مرحلة واحدة، أو ما يسمى بالقنبلة «الانشطارية»، التي تعتبر أقل قوة بكثير من القنبلة الهيدروجينية الحقيقية، وأقوى من أنواع المتفجرات التي عرفت كوريا الشمالية بامتلاكها.

ويعتبر تفجير أي قنبلة نووية، سيما الانشطارية، مأساة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية. كما تعتبر الدول الناشئة نووياً في بعض الأوجه أكثر خطورة من الدول المتطورة في هذا المجال، بمعنى أن القلق حيال الأمن، أو قوة الترسانة المحدودة، قد تدفع القادة المستبدين إلى الإبقاء على أسلحتهم النووية في طور الجهوزية.

تساؤلات حول الخطوة

ومن هذا المنطلق نسأل: لماذا تلجأ كوريا الشمالية إلى تفجير قنبلة نووية اليوم؟ إلا أن الإجابة عن ذلك السؤال تبقى محصورة في عهدة قلة في بيونغيانغ، حيث يمكن أن يكون جونغ أون قد أمر بإجراء التجارب ليكون لديه ما يفاخر به أمام مؤتمر حزب كوريا الشمالية المقبل.

وتتلاءم قصة تفجير القنبلة الهيدروجينية المزعومة مع هذا السيناريو تماماً. لكن المشكلة هي أنه إذا كان العالم يرى هذا الادعاء على أنه مجرد طرح مبالغ فيه، فذلك يعني أنه لا يعتبره تهديداً بقدر ما هو «مسعى لمجد باطل»، وفق ما يقول سكوت شنايدر، الاختصاصي بالدراسات الكورية في مجلس العلاقات الخارجية.

وتبرز اليوم مصلحة مشتركة تجمع بين أميركا وكوريا الجنوبية والصين لفرض عقوبة ملموسة على كوريا الشمالية لقاء تصرفاتها، حسبما يقول شنايدر. وسيتميز الدور الذي تلعبه بكين بالجوهري والمعتاد في مسار الدبلوماسية الكورية الشمالية، سيما أن اقتصاد البلاد يعتمد بشكل متزايد على الصين على الرغم من مواصلة جونغ أون تحدي آمال مؤيديه الصينيين في بث الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية.

وقد يشكل فرض قيود جديدة على العمليات المصرفية الدولية مع كوريا الشمالية أحد أنواع العقوبات الأكثر تشدداً. لكن هل ستتقبل المصارف الصينية مثل هذه الخطوة وتتماشى معها؟

علق جوناثان بولاك على الأمر، بالقول:«لا تود المصارف الأساسية في الصين أن تجد نفسها تحت نير العقوبات لنشاطها في كوريا الشمالية، وقد يكون اليوم الذي تضطر فيه تلك المصارف إلى حسم خياراتها ليس بعيداً».

غموض

لم يتضح ما نوع المادة النووية المنفجرة، أخيراً، في موقع بونجيري الاختباري المعزول في كوريا الشمالية، التي أعلن أنها قنبلة هيدروجينية. ويشير غالبية الخبراء الغربيون إلى عدم أرجحية أن تكون القنبلة هيدروجينية، نظراً لقوة التفجير التي لم تقارب القنابل الهيدروجينية الناجحة.

وأشار جوش إرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، إلى أن تحليل الحكومة الأميركية للمعلومات الأولية يبين أن الاختبار «لا يتناسب» مع ما يمكن اعتباره قنبلة هيدروجينية، التي تعني بالنسبة للولايات المتحدة نوعاً من السلاح المتفجر على مرحلتين، الاندماج والانشطار، وتقوم بتطويره قوى نووية رئيسية في العالم.