طبع عام 2015 المنصرم صور ذكريات كئيبة في مخيلتنا، بدءاً من الأعمال الوحشية المرتكبة في باريس، والسفن المحمّلة بالنازحين عبر المتوسط. إلا أنه بعد عام عاصف بالإرهاب والثورات، واحتفالات برأس السنة شهدت إجراءات أمنية غير مسبوقة، أو تعرضت للإلغاء تماماً، يبدو غريباً لدى البعض أن نستطلع توقعات العالم للعام 2016 بنوع من الثقة.
إلا أنه، تحت الدماء والقلاقل، تتحرك بضعة تيارات حميدة. ففي الشرق الأوسط، أجبر مقاتلو «داعش»، الذين يمارسون الإجرام تحت راية سوداء على التقهقر في بعض المناطق، كالرمادي. وعلى الرغم من أن قوى العالم الرئيسية أبدت تذبذباً، وأتت متأخرةً، إلا أنها توحدت في النهاية ضد التنظيم المتشدد، ولجأت إلى الوسيلة الناجعة الوحيدة، المتمثلة بالجبروت العسكري.
بهدوء إنما بثبات، انكسرت حلقة هيمنة التنظيم على معاقله الأساسية، وخسر الداعشيون عام 2015 حوالي 14 في المئة من الأراضي التي كانوا يستولون عليها عامةً، وضعف هذه النسبة تقريباً في العراق. وتشرف الأوضاع على الدخول في صراع محموم، لكن حدود دولة «داعش» المزعومة ستستمر بالانحسار عام 2016، بما يهيئ الأرضية لسقوط البنيان القائم على سفك الدماء.
أما التيار الثاني فيتجلى، من منظور بعض المحللين، في سعر النفط الذي وصل إلى حدّ 40 دولارا للبرميل. ومن شأن ذلك، بالمعنى الواسع للكلمة، أن يعزز اقتصادات الغرب، ويضعف بالمقابل اقتصادات الدول المنافسة للغرب، التي يتربع فلاديمير بوتين على رأس أبرزها. وبما أن سيد الكرملين محصن من التدقيق، فلم يصله بعد النقد الذي يستحقه لإعلانه، أخيراً، أن اقتصاد روسيا «قد تجاوز ذروة الأزمة».
وتشير توقعات المصرف المركزي الروسي إلى أن الناتج القومي الإجمالي سيتقلص بنسبة اثنين أو ثلاثة بالمئة أكثر خلال 2016، هذا إذا افترضنا أن أسعار النفط ستبقى عند معدلها الحالي. وقد يدرك بوتين أن القرار الذي اتخذه في مواجهة الغرب وغزو أوكرانيا تزامناً تماماً مع لحظة سقوط الاقتصاد الروسي من عليائه المزعوم.
وقد يمعن بوتين في صرف انتباه الرأي العام عن سوء حكمه على الأمور بالاستيلاء على المزيد من المساحات في أوكرانيا، أو غزو بلد مجاور آخر. إلا أن انتشاره في سوريا سيكبّل جزءاً كبيراً من القوات الجوية الروسية عام 2016، ويعرقل عملية تدخل أخرى.
وموازاةً لذلك، يتعين على مخططه الأعظم بتوثيق عرى التحالف مع الصين أن يتخطى عقبات أبرزها تباطؤ اقتصاد بكين نفسه، حيث قد تشتت الأزمات الصينية الداخلية المتفاقمة عام 2016 الرئيس الصيني شي جين بينغ، بكل ما يتمتع به من تأثير على الساحة العالمية.
أما الناخبون الأميركيون، فعلى موعد في 8 نوفمبر المقبل مع اختيار رئيس للبيت الأبيض. وإذا صدقنا الاستطلاعات، فإن المرشح الجمهوري دونالد ترامب مهيأ للحصول على الترشح عن الحزب الجمهوري، علماً بأن «سوق التخمينات السياسية»، أو المؤشر الجديد المحتسب في الاستطلاعات وبيانات الدراسات الأخرى لا يمكن الركون إليه تماماً. إلا أن هذا المؤشر يمنح الملياردير الشعبي نسبة الفوز بالترشح تبلغ 43 في المئة. أما المرشحة هيلاري كلينتون فيبدو أنها ستستأثر بلقب المرشح الأوحد عن الحزب الديمقراطي.
إذا أراد الجمهوريون أن يحققوا الفوز، فلا بدّ من أن يختاروا مرشحاً غير ترامب، لكن القاعدة الشعبية غائبة عن السمع، فيما يبدو، لذا ستكون كلينتون المرشحة المفضلة للوصول إلى البيت الأبيض.
رأس الأفعى
لا يمكن لأحد أن يجزم بأن الأعمال الوحشية التي شهدتها العاصمة الفرنسية، باريس، تمثل ذروة المدّ الإرهابي ضد الغرب، ويمكن لليونة فرنسا المقدرة أن تتلاشى، في حال تكررت مثل تلك الفظاعات في المستقبل. إلا أن رأس الأفعى المسببة لكل ذلك بات في طور المنازعة.
