أبدى الرئيس الأميركي باراك أوباما، مع بداية عهده، لمحة عميقة من الواقعية، وإدراكاً للحمل الثقيل الذي ورثه من حربين كبيرتين، وحلفاء متباعدين، وأزمة ركود، هي الأسوأ منذ عقود، وبدا مصمماً على إيجاد طريقة للتعامل مع العالم كما هو. لكن، بعد مرور سبعة أعوام، أشار عدد من المسؤولين وقادة الدفاع إلى أن مساره الرئاسي اتخذ نهجاً مغايراً من الحوكمة.
وعلى الرغم من أن كثيرين يثنون على ما حققه أوباما، بدءاً من الاتفاق النووي الإيراني، والانفتاح على كوبا، والشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادئ، وتفادي وقوع اعتداء إرهابي آخر على الأراضي الأميركية، إلا أنهم يدركون أنه قد اختار أفضل الأسوأ.
ولخص أحد الجنرالات الأميركيين المتقاعدين، الوضع بالقول: «هذا هو السياق المتبع، يصدر تحذيرات صارمة، ولا يقدم على أي تحرك، وهو ما يقوض المصداقية الأميركية».
لكن هل هذه التهمة صحيحة؟ وإن كانت كذلك، فإلى مدى يمكن إلقاء اللوم على أوباما نفسه، وكم يجب أن يُعزى إلى تعقد المشكلات التي واجهته؟
ليبيا والخيار الثالث
أولاً، في الشأن الليبي، ومع تفاقم حدة الأوضاع، وتعرض حياة آلاف الليبيين للخطر، واجهت إدارة أوباما، التي كانت تساند المقاتلين، خياراً صعباً، في ظل مناشدة جامعة الدول العربية لها التدخل، وحرص دول «ناتو» على دعم المقاتلين المسلحين، ودخول مجلس الأمن على خط التدخل. إلا أن مسؤولين في البنتاغون كانوا يعارضون التدخل في ليبيا، بحجة عدم وجود مصلحة لأميركا هناك.
ووقف أوباما أمام خيارين، فإما أن يمضي قدماً كرئيس للتحالف المقاتل في ليبيا، أو لا يتخلى مطلقاً، لكنه تبنى خياراً ثالثاً، سطر من خلال المبادئ التي سيقوم عليها أي خيار، ألا وهو عدم تورط جنود المشاة، وعدم التحرك العسكري إلا على أسس شرعية، ووجود فرصة لتحقيق الفوز، وأخيراً، تقاسم المهمة مع الحلفاء.
وعلى أرض الواقع، تسارعت الأحداث، وأدرك أوباما إخفاق عملية السلام في ليبيا، وأقر في بيان عام 2015: «إنه على الرغم من مساعدة ليبيا للتخلص من الحكم الاستبدادي، كان لا بد للتحالف من بذل مجهود أكبر لملء الفراغ اللاحق». وألقى هذا الواقع بوزره على أوباما، وأثر في مقاربة الأزمة المشابهة في سوريا.
المأزق السوري
انضم أوباما إلى عدد من الدول الأوروبية الداعية إلى تنحي الرئيس السوري بشار الأسد، معتبراً أنه «على الجانب الخاطئ من التاريخ، وأن الأوان قد حان لتنحيه». وجاء هذا الموقف مدفوعاً بجانب منه برغبة وضع الإدارة الأميركية رسمياً «على الجانب الصحيح من التاريخ»، لا سيما في ظل دعوة الحلفاء أوباما، لإظهار حس «القيادة»، وبناءً عليه، طلب أوباما من المسؤولين الاستخباريين والعسكريين، وضع خطة ملائمة، فأتى مدير الاستخبارات ديفيد بترايوس عام 2012 بمخطط إنشاء جماعة المقاتلين «المعتدلين» المسلحين، وأقرّ بأن الهدف ليس صنع المعجزات والإطاحة بالأسد، بل مجرد ممارسة «الضغوط» على النظام. إلا أن أوباما رفض التحرك وفق تلك الخطة، باعتبار أنها تندرج في خانة التحرك لأجل التحرك، وطالب بترايوس بخيارات مغايرة.
وعلى الرغم من قيام الخطة على أسس منطقية وتاريخية، حرك رفض التدخل في سوريا، أولى موجات الاستياء من سياسة أوباما الخارجية.
«داعش» وقوانين اللعبة
برز تنظيم «داعش»، الذي استولى على مناطق واسعة من العراق وسوريا، فعزز الانتقادات المجادلة بأن قبول أوباما بخطة بترايوس، كان سيقطع الطريق على تعزيز موقع التنظيم.
لكن توقعات أوباما أثبتت صحتها مجدداً مع الوقت، فما إن بدأ جانب المعارضة المقاتل يحقق تقدماً، حتى ضاعفت إيران دعمها للأسد، وهرعت روسيا إلى إرسال الدبابات والطائرات والصواريخ، دعماً للجيش السوري، وخشية من أن تخسر موسكو إحدى القواعد المهمة في المنطقة.
شكلت سوريا مسرح التحديات الأعنف التي واجهت سياسة أوباما الخارجية، والمكان الذي أثبتت فيه أدواته للتعامل مع الأزمة من خطب، ومقاربات، وأسئلة ملحة وحلول متسلسلة للمشكلة، أنها غير كافية.
انتقادات
تعرضت سياسة أوباما الخارجية لعدد من الانتقادات، أبرزها، تجنب اتخاذ القرارات الصعبة، وحساسيته إزاء توريط القوات العسكرية.
افتقرت سياسته في سوريا إلى استراتيجية مترابطة، حيث بدا الهدفان المنشودان، هزيمة «داعش»، والضغط على الأسد للتنحي، متناقضين.
ويجيب أوباما لدى السؤال عن العبر المستقاة من الأزمات، والقرارات المختلفة التي كان يمكن أن يتخذها لو كان يعلم ما يعلمه اليوم، بقوله إنه كان منسجماً مع نظرته الشاملة حول كيفية توظيف القوة الأميركية، وأن حصرها بالقوة العسكرية، يقلل من شأنها، ويشدد على حماقة ومأساوية التفريط في فرص إيجاد عالم موحد.
