تمكن فلاديمير بوتين من العمل بقوة في سوريا ليس لأنه أكثر جرأة أو أكثر حزما، وإنما لأن لديه استراتيجية أوضح. لبوتين حليف هو حكومة الرئيس السوري بشار الأسد. ولديه أعداء هم معارضو الحكومة السورية. ويدعم بوتين حليفه، ويقاتل أعداءه. وبالمقابل فإن واشنطن والغرب مشوشان تماما.
لصالح من تعمل الولايات المتحدة في هذا الصراع؟ نعلم ضد من تعمل، نظام الرئيس السوري بشار الأسد وتنظيم "داعش" أيضا، الذي يعتبر الخصم الرئيسي للنظام، وجميع المجموعات التي تقاتل في سوريا بمافيها جبهة النصرة (حليف تنظيم القاعدة) وأحرار الشام، وقوات حزب الله والقوات الإيرانية أيضا، التي دأبت على دعم الحكومة السورية. الغرب تقريبا ضد أي مجموعة رئيسية تقاتل في سوريا، وهو ما يصب في مصلحة الوضوح الأخلاقي، ولكنه يتنافر استراتيجيا.
خطة واضحة
خطوة روسيا ليست ذكية كما تبدو، فجهود دعم حليف الكرملين الأجنبي الأوحد والمخاطرة بجعل روسيا "الشيطان الأعظم" في أعين المقاتلين في كل مكان تعتبر جهودا بائسة. ولكن على الأقل بوتين لديه خطة متسقة.
وعلى العكس من ذلك، تعتبر الولايات المتحدة حليفا قريبا للحكومة العراقية في حربها ضد الميليشيا السنية في البلاد. إلا أنها تجد نفسها تقاتل إلى جانب الميليشيا السنية عبر الحدود مع سوريا بينما تقاتل نظام الأسد.
واشنطن تساند بعض المجموعات، الأكراد السنة القريبين من تركيا، والقوى المعتدلة التي يدعمها الأردن، القريبة من حدوده إلى جانب عدد آخر صغير من السوريين المعتدلين. ولكن في حال اعتبرت المجموعة الكبيرة تسعى للسيطرة على دمشق، فإن الولايات المتحدة ضد الجميع تقريبا.
الدليل الميداني لعام 2006 بشأن مواجهة التمرد يشير إلى أن "النجاح الأكبر" يتأتى فقط عند حماية السكان، وعلى القادة أن ينقلوا النشاطات الأمنية من العمليات القتالية لإنفاذ القانون بأسرع ما يمكن. هذه هي المشكلة. الجيش الأميركي يمكنه دحر تنظيم "داعش" المسلح بشكل خفيف بسهولة، والذي يضم أقل من 30 ألف مقاتل. ولكنه سيجد نفسه بإزاء أراض مترامية في سوريا.
وقال لي مسؤول تركي، أخيرا: من يريد أن يحكم تلك البلاد وأن يحمي السكان وأن ينظر إليه من قبل السكان المحليين على أنه شخص يتحلى بالشرعية؟ وأضاف: "نظرنا لكم وأنتم تحاولون إدارة المدن العراقية، ورأينا أننا لن نخطئ على غرار ما فعلت أميركا".
التحالف مع القوى الرئيسية
في حال نظر أحد ما إلى الوراء إلى الكثير من التدخلات الأميركية على امتداد العالم، فسيظهر هناك عامل واحد واضح، هو أنه عندما تحالفت واشنطن مع السلطة المحلية التي تمتلك القوة والشرعية فقد نجحت. ولكن من دون مثل هذه القوى المحلية فإن جميع الجهود الخارجية والإغاثة والقوة العسكرية والتدريب لا يمكنها فعل الكثير سواء في أفغانستان أو العراق أو سوريا.
وفي حال كان هدف أوباما هو السلام والاستقرار والديمقراطية متعددة الأطراف، فإن ذلك يتطلب التزاما أميركيا كبيرا لقبول الواقع وأخذ بعض القرارات الصعبة. وأهمها ما يتعلق بالتوقف عن معارضة الأسد أو ما يتعلق بقبول تقسيم سوريا.
وفي حال كانت مواجهة تنظيم "داعش" أمرا مهما، فيجب عندها أن تتحالف مع أي من القوى الخارجية التي ستنضم إلى القتال. وفي حال سقط الأسد، واستولى المقاتلون على دمشق، فإن ذلك سيكون اسوأ من بقائه. ولكن هذا لا يعني تزويد الأسد بأي دعم، وإنما السماح له بإيجاد جيب للعلويين في سوريا، على نحو ما يحدث بالفعل.
الأكراد وبعض السوريين المعتدلين باتوا يوجدون مناطقهم الآمنة الخاصة. وحتى لو انتهت الحرب الأهلية وظلت سوريا على حالها، فإن هذه المجموعات لن تندمج مع بعضها بعضا مرة أخرى. وحتى الآن في سوريا جمع الغرب بين المتطرفين والخطاب المتصلب والحد الأدنى للجهود غير الفعالة. والفجوة بين هذين الأمرين هو ما يجعل فلاديمير بوتين يبدو ذكيا.
نهج
يصف كينيث بولاك وباربرا والترز نهج الإدارة الأميركية الأساسي الذي ينظر بطريقة ما إلى جميع القوى المقاتلة على أنها غير كافية بالقول: "الولايات المتحدة تبني جيشا معارضا سوريا جديدا. وتريده جيشا بعيدا عن السياسة وغير طائفي ومتكاملا للغاية".
"عندما يكون هذا الجيش جاهزا، فسيحرر الأراضي من نظام بشار الأسد والمجموعات السنية المتشددة، والنتيجة ستكون حكومة جديدة شاملة لجميع الأقليات". ويجب أن يفهم أمر واحد فقط، وهو أن ذلك كان يجب أن يحدث قبل خمسة عشر عاما. ولكن عقب الخبرات في أفغانستان والعراق وليبيا واليمن فهذا وهم، وليس سياسة خارجية.
