تتطلع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى منطقة الشرق الأوسط بعين مناهضة الإرهاب. وسلط التشديد الممنهج على هذه المسألة الضوء على المساعي الحثيثة للإدارة الأميركية في ملاحقة «القاعدة» واهتمامها المتجدد بتنظيم «داعش».
في مواصلة لجهود إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أنشأ الرئيس الأميركي باراك أوباما جهاز أمن قومي متخصصاً بتحديد وخرق شبكات الإرهاب، وبنيت الاستراتيجية الأميركية بمعظمها على حملةٍ استخبارية، تتضمن إقامة شراكات مع بلدان حول العالم بهدف جمع المعلومات حول كبار الإرهابيين المشتبه فيهم.
وحققت الجهود الأميركية في مناهضة الإرهاب نجاحات في ضرب تنظيم القاعدة بالعمق، عبر استهداف قادته حول العالم وقتلهم، أو اعتقالهم بناءً على تقارير استخبارية.
ولا تفسر مناهضة الإرهاب مواضع اعتماد أوباما للهجوم العدائي وحسب، بل توضح حدود تحركه في هذا الإطار. ففي العام 2011، سحب أوباما قواته من العراق، وتصدى مبدئياً للتدخل في سوريا. وفي ولايته الثانية، عزز دور أميركا في ليبيا واليمن، على الرغم من تصاعد حدة العنف وشك الحلفاء بمدى التزام واشنطن حيال المنطقة. أما خلال العام 2014، حين دكت أميركا العراق وسوريا بالقذائف، فإنها لم تفعل ذلك استهدافاً للرئيس السوري بشار الأسد، بل لتنظيم «داعش».
ولا تشكل مناهضة الإرهاب في الشرق الأوسط أولوية أميركية فقط، بل إنها تحتل مكاناً بارزاً، وتبرر معظم حالات التدخل والتمنع. حتى حين كانت واشنطن تزيل الإرهاب عن قائمة الأولويات، فإنه غالباً ما كان يتخذ ذريعةً يستند إليها.
تتمتع استراتيجية إدارة أوباما بمنطق سياسي. فالشعب الأميركي، المرتاب عموماً من التدخل في الشرق الأوسط، لا ينفك يقدم استثناءات فيما يتعلق بجهود محاربة الإرهابين الذين يعتبرهم خطراً وجودياً .
يمكن لقادة أميركا، من خلال تحديد الدور الأميركي في المنطقة بمحاربة الإرهاب، تفادي فرض احتلال وخوض حروب مكلفة، والتركيز على مناطق مهمة أخرى، مثل آسيا. ويأمل المسؤولون أن توجه بصمة أميركا في المنطقة أسلحة المجموعات الإرهابية نحو إحداها الأخرى . لذا من المرجح أن يسيّر مبدأ محاربة الإرهاب في الشرق الأوسط سياسة أميركا، حتى بعد انتهاء عهد أوباما.
أحياناً يتعذر وقف مدّ الإرهاب، والاكتفاء بإدارته وحسب، حيث تبرز في مثل هذه الحالات ضرورة اتباع سياسة الاحتواء. تعاني منطقة الشرق الأوسط من «الجيرة السيئة»، المترافقة لديناميكيات محلية منتشرة عبر الحدود. فجيران سوريا مثلاً، يحتاجون المساعدة لإيواء اللاجئين، وينبغي تزويدهم بالمساندة الأمنية التي تمكنهم من التعامل مع التدفق البشري الناجم عن الحرب الأهلية في سوريا.
وعلى الرغم من أن سجل أميركا في حل مشكلات الشرق الأوسط الأوسع نطاقاً لا يبعث على التفاؤل، فإنها نجحت في أماكن أخرى، مثل كولومبيا وإندونيسيا والفلبين، في بناء قدرات حلفائها، وتمكينهم من استعادة السلطة، والتفاوض من موقع القوة، ومحاربة الإرهاب طبعاً. ويوفر تطبيق تلك التكتيكات في الشرق الأوسط فرصةً مثلى لتحقيق تطور مستدام.
خطورة
على الرغم من تحقيقه بعض النجاحات، قاد التركيز المطبق لأميركا على محاربة الإرهاب لإغفال التيارات الإقليمية الأوسع نطاقاً التي تقوّض مصالح أميركا في الشرق الأوسط. ولا تكمن خطورة شبكات الإرهاب في إمكانية اعتدائها على أميركا فقط، بل في زعزعة الدول الضعيفة أصلاً وإيجاد أرضية خصبةٍ لتكاثر المجموعات المتشددة.
