كلما أوغل المحللون في محاولة فهم سر جاذبية المرشح الرئاسي الجمهوري الأميركي دونالد ترامب، ازدادوا حيرة، ويشير المراقبون في هذا الصدد، إلى افتقار ترامب للبلاغة، وتعرضه للسخرية، كدليل على أنه لا بد له من الانفجار والتلاشي قريباً كظاهرة سياسية، ولكنه ينظر إلى تباهيه اليومي، باعتباره إضافة إلى حنق الناخبين الذين يرتبطون الآن بشخص يعبر عن غضبهم، وكلما زادت جرعات ترامب إلى الافتقار إلى المراعاة، كان ذلك أفضل بالنسبة لمؤيديه.
كان شعار ترامب الغامض «اجعلوا أميركا عظيمة من جديد»، دعماً طبيعياً لشعار الرئيس الأميركي باراك أوباما الأكثر غموضاً «الأمل والتغيير». وتعكس شعبية مثل هذه الشعارات الجوفاء، ثقافة لم يعد أحد فيها يثق بالمؤسسات أو الإعلام، أو الحكومة أو السياسيين.
لم يعد الرأي العام يحترم قانون الهجرة والجمارك ومصلحة الضرائب، بل إن أجهزة المخابرات التي كانت في وقت من الأوقات تحظى بالتقدير، أصبحت مسار سخرية لافتقارها للكفاءة، وبما تعانيه من فساد.
لا يحمل العالم الذي تحدثنا عنه، الحكومة الأميركية شبهاً بما نراه ونسمعه كل يوم، وقد فاقم الرئيس أوباما هذا الانفصال الراهن بين الرأي العام ومسؤوليه. وبطريقة هزلية، مضى يشارك الآخرين بصور السيلفي الملتقطة بكاميرات الهواتف، وينطلق بالطائرة إلى لوس أنجليس للظهور في البرامج التلفزيونية، ويوجه اللوم إلى الأميركيين حول مخاوفهم من الإسلام ومن الهجرة، واهتمامهم الاستحواذي بالأسلحة.
تفيد التقارير الحكومية، أن رقماً قياسياً يبلغ 94.4 مليون أميركي، ليسوا مدرجين في القوة العاملة، أي حوالي ثلث البلاد. فكيف يمكن للحكومة نفسها أن تعلن أن معدل البطالة الرسمي هو 5 % فقط؟
يحذر الاقتصاديون من أن الديْن الوطني الأميركي البالغ 20 تريليون دولار، لا يمكن خدمته دون كوارث كبرى لدى ارتفاع سعر الفائدة، ولكن بينما من المقرر رفع أسعار الفائدة، فإن الحكومة تواصل اقتراض حوالي 500 مليار دولار سنوياً. وقد يكون من الحكمة أو من مفارقة الحكمة، سماح البنتاغون للنساء في المؤسسة العسكرية بالالتحاق بكل الوحدات المقاتلة، أو قيام الرئيس ضمناً بإنهاء فرض الحلول.
ولكن هذه التغييرات لم يتم إحداثها بقرار أغلبية تشريعية، وقد فرضت بشكل سريع ومفاجئ، دون أن يتاح للرأي العام وقت لاستيعاب ما يترتب عليها، وبدلاً من ذلك، فإنه إذا كانت فكرة أو أجندة تفتقر إلى دعم الأغلبية، فإن النشطاء يمكنهم التطلع إلى محكمة أو بيروقراطية، بتنفيذ التغيير من القمة إلى القاع.
منزلق
يعتقد ملايين الأميركيين أن الأمة تتجه إلى منزلق مالي خطير، وهم يشعرون بالتهديد من الإرهاب المتطرف، ويشعرون بأن الاستقرار الثقافي والاجتماعي قد اختفى، كما يدركون أن التعبير عن هذه المخاوف، يمكن أن يكون جريمة فكرية، يترصدها السياسيون والإعلام والجامعات والمؤسسات الثقافية التي لا تتمتع بدعم واسع النطاق من الرأي العام، ولا تخضع للنتائج المباشرة لأيديولوجيتها.
ووسط هذه الصيحات، والغياب الراهن للقيادة المسؤولة، فإنه إذا لم يكن هناك دونالد ترامب ديماغوغي، يصيح ويهدر على امتداد الساحة، منادياً بمعاداة الإسلام، فإنه ربما يتعين على أميركا اختراع شخص مثله.

