وصلت قمة باريس إلى خاتمة خفتت معها حالات الهياج والتصفيق وضرب الأكف، تمهيداً لانطلاق مرحلة الجزء الأكثر صعوبة حقاً.

اتفقت، أخيراً، بعد ما يزيد على أسبوعين من المحادثات، 195 دولة على خطة تأمل من خلالها في تقليص معدل الغازات الدفيئة التي تزيد حرارة الغلاف الجوي وتضمن عيش الأجيال المقبلة في عالم قابل للحياة. فهل هذا الأمر ممكن؟ نعم، ربما، لكن ذلك لن يحصل إلا إذا نفذت الدول المتعهدة بتقليص الانبعاثات وعودها، ووافقت على تحسين المعدلات بشكل ملحوظ خلال السنوات المقبلة.

ووصف وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الاتفاق بـ«نقطة التحول التاريخية»، في حين اعتبره الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون «نجاحاً ساحقاً للكوكب وسكانه». إلا أن ترجمة هذين الوصفين على أرض الواقع تعتمد بشكل كبير على نوايا كل من الجهات الموقعة ببذل المجهود الكافي. فالاتفاق مبني على العلم بشكل وثيق، إنما أيضاً على الأمل بأن تتجلى الحماسة المنبثقة عن محادثات باريس على شكل إجراءات ملموسة، تطال تأثيراتها الكوكب بأسره، وتحول بالتالي دون أسوأ مضاعفات تغير المناخ.

ويعتبر موقف الحكومات جوهرياً في تحديد ما إذا كان العالم يمضي قدماً باعتماد تكنولوجيا الطاقة النظيفة، لاسيما أنه قيل الكثير حول «المؤشرات» المغلوطة التي أرسلها الاتفاق للمستثمرين، ودفعت رؤساء كبرى الشركات ورجال الأعمال للتوافد إلى باريس لاستطلاع حقيقة الأمر. إلا أن مدى قوة المؤشرات تلك يعتمد كثيراً على استعداد الحكومات لتعزيز ذلك النوع من الاستثمارات أو لا، بالتزامن مع إزالة الإعانات الضريبية التي تميل لصالح الوقود الأحفوري الأكثر تلويثاً للبيئة، إلى درجة فرض الضريبة على انبعاث ثاني أكسيد الكربون .

وينطوي الاتفاق على بعض النقاط التي تتضمن جوهراً علمياً متيناً، يهدف إلى تقليص معدلات التلوث بحيث يقتصر ارتفاع الحرارة في العالم على ما لا يزيد على درجتين مئويتين.

واتسم الاتفاق كذلك بالمسؤولية الجماعية، إذ تضمن التزام 186 دولة من أصل 195 بوقف تزايد انبعاثات غاز الدفيئة أو الحد منها. ومن شأن هذه التعهدات أن تختصر على العالم نصف المسافة نحو تحقيق هدف الدرجتين المئويتين. وقد حضرت الوفود إلى المؤتمر المقرر قبل شهور، من دول غنية وفقيرة تعكس معنى جديداً للمسؤولية المشتركة بعيداً عن الخلافات المريرة بين تلك الدول، الأمر الذي سبب شلل محادثات المناخ سابقاً.

شكل مبدأ الشفافية إحدى العقبات التي أعاقت محادثات تغير المناخ سابقاً، لاسيما أن الصين لم تكن ترغب بتدخل أحد في شؤونها. إلا أن الاتفاق الجديد ينص على أن تقدم كل دولة تقريراً منتظماً ودقيقاً حول معدل تخفيض الكربون لديها. ويحتل هذا الموضوع أهمية خاصة، نظراً لتقديم الدول تعهدات طوعية. وإحدى الطرق للتأكد من التزام الدول بتعهداتها وتحسينها يكمن في إصدار تقارير علنية منتظمة.

ويقف خلف توقيع الاتفاق أبطال كثر، منهم الدولة الفرنسية المضيفة للحدث، ومسؤولو الأمم المتحدة والناشطون في مجال المناخ الذين لم يستسلموا يوماً أو يتخلوا عن فكرة توقيع اتفاق عالمي. لكن يتعين التنويه بالرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري وكبير المفاوضين تود شتيرن الذين نجحوا مجتمعين بضم الصين للتوقيع على الاتفاق، حيث لم تقنع هذه الخطوة الدول الناشئة الأخرى بالانضمام، بل قطعت الطريق على خصوم الكونغرس القائلين بعدم جدوى التحرك الأميركي وعجزه عن استمالة الصين.

تقييم

اتفقت الأطراف الموقعة على الاتفاق على إجراء تقييمات دورية منتظمة، بحيث تجتمع كل خمس سنوات لإجراء جردة، وتذكر التعهدات ورفع مستواها لضمان الوصول إلى هدف الدرجتين المئويتين. ويوضح هذا البند أن مؤتمر باريس لم يكن سوى الأساس الذي تنطلق منه الجهود المستقبلية.