في التاسع من أكتوبر الماضي،أضرم بائع السجائر سيف الدين الخرداني النار في نفسه في مدينة صفاقس بجنوبي تونس. وعلى غرار محمد البوعزيزي، بائع الفواكه الذي أحرق نفسه وأثارت تضحيته بنفسه أحداث الربيع العربي، أظهرت حركة الخرداني الأخيرة سخط من يفتقرون إلى السلطة الذين يعانون من تردي وضعهم الاقتصادي، وعدم المساواة التي لاتزال متواصلة في تونس.
الجمع بين الأدوار
إحراق الخرداني لنفسه جاء عقب حصول رباعية الحوار الوطني على جائزة نوبل للسلام، ويشار إلى أن العضو الأبرز فيها هو الاتحاد العام التونسي للشغل. واحتفت الجائزة بنشاط الرباعية السياسي، وساعدت في تعزيز الرواية التي انتشرت من خلال قيادة النقابة الحالية بشأن دورها البارز في الربيع العربي.
ومنذ التأسيس عام 1946 نجح الاتحاد في التركيز على حقوق العمال والجمع بينها وبين الدور السياسي القوي المتعلق بالشأن السياسي الداخلي للبلاد. وفي العقود التي أعقبت الاستقلال نجح الاتحاد في البقاء بفضل البراغماتية السياسية.
وأصبحت القيادة الوطنية أشد صرامة مع وصول زين الدين بن علي إلى السلطة. وسعى الاتحاد إلى الدفاع عن العقود الجماعية، ولكنة سمح بتمرير عملية التحرير الاقتصادي في تونس دون منازع. وصاغ نموذج بن علي الاقتصادي تونس بوجهين، أحدهما الغنى النسبي للمدن الساحلية والعاصمة، وعلى الجانب الآخر مناطق ريفية غير متطورة، مثل المناطق الموجودة في سيدي بوزيد، مدينة البوعزيزي.
ووصل عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 40%. ولم يكن من المصادفة أن الثورة عام 2010 والأحداث الرئيسية لعدم الاستقرار الاجتماعي التي سبقتها أتت من المناطق غير المتطورة.
هذا كان سبب ثورة العمال في حوض التعدين بقفصة عام 2008 والأحداث التي جاءت في نهاية عام 2010. وفي كلا الحالتين، فإن المكاتب المحلية والنقابيين المحليين والعسكريين لعبوا دوراً رئيسياً في تنظيم الاضطرابات، وذلك بينما كانت اللجنة التنفيذية الوطنية للاتحاد حذرة إزاء تعزيز مطالبهم.
السياسة الوطنية
وبالأخذ في الاعتبار الموقف القوي الذي تمكن من تأسيسه، بدا الاتحاد مهتماً بتحدي نموذج الاقتصاد غير المنصف الذي ساد في فترة بن علي. وطلبت الحكومة التونسية واللجنة الرباعية للحوار مزيداً من التمويل من صندوق النقد الدولي.
ويمثل قيام البوعزيزي بالتضحية بنفسه قبل خمس سنوات الأصوات غير المسموعة للعمال التونسيين والعاطلين عن العمل. وللأسف فإن نسبة صغيرة من اتحاد الشغل تبدو مهتمة بالدفاع عن هذا الجزء الهش من فئات الشعب. وبلا شك فإن تركيز اللجنة الرباعية على التحرك السياسي ساعد البلاد على التقدم نحو الاستقرار. وبالتأكيد ليس هناك من سبب لعدم الاحتفاء بالنضال المستمر لاتحاد الشغل لتحسين رواتب العمال.
وبالتركيز على السياسة الوطنية من دون لمس الأسباب الجذرية لقيام الثورة فإن اللجنة الرباعية قد تكون فقدت الفرصة لاستخدام قوتها للوصول إلى التغيير الحقيقي. وطالبت ثورة عام 2011 «بالخبز والحرية والكرامة» لجميع التونسيين وليس من أجل رفع عام لرواتب العمال المحترفين. وعلى اعتبار أنه قوة اجتماعية في البلاد يحتاج الاتحاد للتصالح مع ماضيه وتحدى المظالم المتجذرة في نموذج الاقتصاد الحالي للتنمية.
تحسين
أصلح الاتحاد التونسي للشغل من دوره عقب 2010، وركز على رفع رواتب العمال. وتقلد قادته دوراً مهماً، وساعدوا في تأسيس حوار وطني حتى لو كانت المعركة في الغالب ضد الحكومة المنتخبة. وعبر لعب دور سياسي وتهديد معارضيهم بالإضرابات ، تمكن الاتحاد من التوصل إلى سلطة واسعة.
