صوت مجلس العموم البريطاني، أخيرا، بأغلبية كبيرة للسماح للطائرات البريطانية باستهداف معاقل تنظيم «داعش» في سوريا و العراق. كانت تلك خطوة رمزية تسعى إلى إظهار التضامن مع الحلفاء ضد البربرية. وعلى الرغم من أن مقاتلات «تورنادو» البريطانية تتفاخر بصواريخ «بريمستون» عالية الدقة وبإمكانات بريطانيا المتطورة لتجميع المعلومات الاستخبارية، فلا يمكن لأحد أن يتخيل أن القدرة الجوية وحدها كافية لمواجهة تنظيم «داعش».
استهداف «داعش»
وتظل المشكلة ذاتها الموجودة في سوريا منذ أن بدأت الضربات الجوية ضد تنظيم «داعش» في سبتمبر العام الماضي: الافتقار إلى وجود قوات برية مقبولة سياسيا على الأرض للعمل معها، ما عدا قوات حماية الشعب الكردية، التي نادرا ما تغامر خارج ما تراه أراض كردية.
وتعرض رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون للسخرية لادعائه بأن هناك «نحو 70 ألف معارض سوري مسلح غير منتم لمجموعات متطرفة» وهؤلاء قد يشكلون حلفاء محتملين في التحالف ضد تنظيم «داعش». الأكراد غير مدرجين في تلك الحسابات.
وفي الحقيقة، يوافق معظم الخبراء رئيس الوزراء البريطاني في التقييمات الاستخبارية. وقال تشارلز ليستر من مركز «بروكنجز» إن هناك أكثر من 100 فصيل مسلح يضمون ما مجموعه 75 ألف مقاتل، يعمل الكثير منهم تحت مظلة الجيش السوري الحر، الذين يمكن اعتبارهم «معتدلين» بالمعايير السورية. ودققت الاستخبارات في الكثير من هؤلاء، الذين يتسلمون أسلحة ومساعدات أخرى على نطاق ضيق إلى حد ما. ويبدو أنهم لا يشكلون قوة متماسكة.
الأمر الأكثر إثارة للجدل من وجهة النظر الغربية هي فكرة التشارك مع جماعة «أحرار الشام»أو مع «جيش الإسلام»، وهما المجموعتان السلفيتان الكبيرتان اللتان تربطهما علاقة مع«جبهة النصرة»التابعة لتنظيم القاعدة والمعارض لتنظيم «داعش» والذي يمكنه أن يضيف إلى قواتهم نحو 30 ألف مقاتل. وتنقسم الآراء حيال اعتبار «أحرار الشام»أو «جيش الإسلام»مقاتلين يتجاوزن كونهم حلفاء ضد تنظيم «داعش».
التدخل الروسي العسكري، أخيرا، يعقد المسألة المعقدة أصلا،بحسب المحلل السوري اميل حكيم من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية. وبتركيز ضرباتهم الجوية على بعض المجموعات التي يرى فيهم الغرب حلفاء مشتركين،فإن الروس لا يحشدون لنظام الرئيس السوري بشار الأسد فقط،ولكنهم يساعدون تنظيم «داعش» بشكل غير مباشر، بالنظر إلى أن الأخير يقاتل بعض هذه الجماعات.
تحديد الإرهابيين
وستتواصل عملية السلام التي تتضمن جميع الدول المنخرطة في الحرب في دورة محادثات ثالثة في فيينا خلال الشهر المقبل. إلا أن من الصعب التنبؤ بنتائج تدخل كل من روسيا وإيران من جهة والتحالف الذي تقوده أميركا من جهة أخرى. محاولات الرئيس الأميركي باراك أوباما في المؤتمر الذي عقد في باريس بشأن المناخ لإقناع الرئيس السوري فلاديمير بوتين لجعل تدمير تنظيم «داعش» أولوية،بدلا من حماية الرئيس السوري بشار الأسد، لم تلق أذانا صاغية.
الأردن أعطي مهمة لا يحسد عليها لتقرير أي طرف من المعارضة السورية يجب أن يعرف بأنه ارهابي. وبالتالي إخراجه من عملية السلام.
ومن الواضح أن روسيا وضعت كل المجموعات المقاتلة في سوريا،ما عدا الجيش السوري الحر والأكراد، في قائمة الإرهاب. ويعتقد إميل حكيم أن من المثير للسخرية أن لا أحد يقترح وضع قوات النظام على قائمة الإرهاب، بالنظر إلى استخدامه المتواصل للبراميل المتفجرة ضد المدنيين.
وبالنسبة إلى الغرب،فإن المبالغة في الاستثمار في هذه العملية يواجه خطر استبعاد رأي السنة، لا سيما وأن بقاء الأسد على الأقل في هذه الفترة يظل محور نقاش في فيينا. ويحذر محللون من أن روسيا تؤجج الصراع ضد الارهاب وتتلاعب بمحادثات فيينا من أجل ذلك الغرض.
الانفصال عن الواقع السياسي على الأرض أمر واضح تماما. وعلى الرغم من ذلك فإن معظم الميليشيات المعارضة تستنكر تنظيم «داعش» وأولويتهم لاتزال استكمال الثورة واسقاط النظام المكروه. وقال إميل حكيم: «في حال أردت أن تحشد القوات ضد تنظيم»داعش«يجب أن تتعامل مع الأسد على مسار مواز. فهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم محررون وليسوا مرتزقة».
عين العرب
قوات حماية الشعب الكردي أظهرت قدرتها في إخراج تنظيم «داعش» من مدينة عين العرب، كوباني، والتحرك غربا للسيطرة على جرابلس المدينة الواقعة على الحدود مع تركيا الواقعة تحت سيطرة التنظيم. ولكن على الرغم من نجاح قوات حماية الشعب لدى مساعدتها بقوة التحالف الجوية، فإن اهتمامها الأساسي يظل في تشكيل منطقة ممتدة على طول الحدود مع تركيا.
وعلى الرغم من القول إن قوات الشعب قد تنضم إلى القبائل السنية وتنجر جنوبا إلى الرقة التي يسيطر عليها تنظيم «داعش»،إلا أنها غير راغبة في فعل ذلك. وحتى في حال أقدمت على ذلك،فإن النتائج السياسية لمساعدة الأكراد في السيطرة على المدينة العربية بالكاد تكون أمراً ايجابياً.
