مشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

الأزمة التي تشهدها العلاقات الروسية التركية حاليا، إثر تعمد الأتراك إسقاط الطائرة المقاتلة الروسية «سوخوي 24» في الرابع والعشرين من نوفمبر الماضي، بحجة اختراقها المجال الجوي لتركيا، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في الأزمات الحادة بين الدولتين على مدى أكثر من خمسة قرون مضت، شهدت فيها العلاقات بين الدولتين حروباً وأزمات وصراعات كثيرة، كما شهدت أيضاً تقارباً وتعاوناً واسعاً في المجالات الاقتصادية والتجارية وحتى العسكرية.

العثمانية والقيصرية

وبنظرة تاريخية سريعة على العلاقات بين روسيا وتركيا، نرى أن الصراعات والحروب بينهما التهبت في الحقبة «العثمانية التركية والقيصرية الروسية»، إن تزامن صعود الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية، واستدعى الجوار الجغرافي والاختلاف الديني تصارعهما عسكرياً، ومنذ دخول الدولة العثمانية مرحلة الضعف والتدهور في بداية القرن الثامن عشر، سعت روسيا القيصرية لقضم أراضيها وممتلكاتها في القوقاز وآسيا الوسطى.

واتسمت العلاقات بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية بقدر كبير من العداء والدموية، وكان لدى الروس أطماعاً توسعية في أن تكون روسيا دولة كبرى، واختلطت هذه الأطماع في بعض الأحيان بعواطف دينية متعصبة، متمثلة في حماية الأرثوذكس في العالم، والسيطرة على القسطنطينية التي فتحها السلطان العثماني محمد الفاتح، وكذلك السيطرة على الأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين.

بريطانيا وفرنسا

وأدرك الروس أن تحقيق هذه الأطماع المتشابكة لن يتم إلا بالقضاء على الدولة العثمانية، خصوصاً في منطقتي آسيا الوسطى والبلقان، والسعي إلى اقتطاع الجزء الأكبر من أملاك هذه الدولة التي ستتهافت على أملاكها كافة القوى الكبرى في العالم،وأكثر ما يهم روسيا القيصرية من أملاك الدولة العثمانية هو البحار التي ستحقق حلم روسيا بالوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب هذه الأطماع الروسية وقعت عشرات الحروب بين العثمانيين والروس، استغرقت أكثر من ثلاثة قرون.

ورأت فرنسا وبريطانيا في هذه الحروب الطويلة والعنيفة بين الجانبين تحقيقاً لمصالحهما، من حيث إضعاف روسيا وإبعادها عن المنافسة في المجال الاستعماري، وكذلك إضعاف الدولة العثمانية التي تتمدد أملاكها في ثلاث قارات.

وكانت بريطانيا تبغض كلاً من الإمبراطورية العثمانية والقيصرية الروسية، لكنها كانت تدعم الدولة العثمانية وتحميها من السقوط، لأنها كانت تخدم مصالح وأمن مستعمراتها، والأهم من ذلك أنها كانت تمثل حائط صد أمام تمدد الإمبراطورية الروسية، والحيلولة دون وصولها إلى المياه الدافئة ومزاحمة بريطانيا في مستعمراتها.

حرب البلقان

كانت الحرب العثمانية الروسية الأولى في 3 يوليو 1853م، وكان مسرحها الأول في أوروبا بمنطقة البلقان، حيث حشدت الدولة العثمانية وروسيا بحشد قوات ضخمة على جبهات القتال، وعلى جبهتي الدانوب والقوقاز، واستطاع القائد العثماني عمر باشا أن يلحق هزيمة كبيرة بالروس على نهر الدانوب.

وفي جبهة القوقاز ساند الزعيم الشيشاني الإمام شامل القوات العثمانية أثناء القتال ضد الروس، وكان هذا مقابل وعد من الباب العالي بإنشاء دولة للشيشان في شمال القوقاز، وهي البداية في العلاقات بين تركيا ومسلمي شمال القوقاز والمستمرة حتى الآن، والتي تسببت في مشكلات كثيرة بين موسكو وأنقرة في تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واندلاع الحرب في الشيشان، حيث كان يتلقى الشيشانيون الدعم الأكبر من تركيا.

واشتعلت في عام 1854 حربا شرسة بين الإمبراطورية العثمانية والقيصرية الروسية، اتفق على تسميتها تاريخياً بـ"حرب القرم"، والتي دخلتها فرنسا وبريطانيا إلى جانب تركيا العثمانية، وانتهت بهزيمة قاسية لروسيا في مايو عام 1855، وكانت أسوأ نتائج هذه الحرب بالنسبة لروسيا، هي تدمير أسطولها في البحر الأسود وطردها منه.

الحقبة السوفيتيةخاضت الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية قرابة 17 حرباً بين عامي 1568 و1917، وجاءت الحقبة السوفييتية، ورغم دخول تركيا في حلف الناتو بعد الحرب العالمية الثانية، ورغم فتحها أراضيها للقواعد العسكرية الأميركية، إلا أن العلاقات في هذه الحقبة كانت إلى حد ما الأكثر هدوءاً في تاريخ البلدين.

وربما يرجع ذلك إلى أن موسكو السوفييتية كانت تتعامل مع واشنطن بصفتها ممثلة للمعسكر الغربي وحلف الناتو ككل، ولم تكن تركيا تجرؤ على التحرش بالدولة العظمى السوفييتية بترسانتها العسكرية والنووية.

 ولم يكن حلف الناتو ليسمح لها بذلك خشية اشتعال حرباً عالمية نووية لا تحمد عقباها، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وفي ظل حالة الضعف والانهيار الاقتصادي الذي كانت تعاني منه روسيا في فترة التسعينات من القرن الماضي، عادت أحلام وطموحات أنقرة تنتعش وتستدعي أمجاد الحقبة العثمانية، متطلعة في هذا الاتجاه لدول آسيا الوسطى المسلمة الخارجة من عباءة الاتحاد السوفييتي.

آسيا الوسطى

وعلى الرغم من أن تركيا ليست لها صلات جغرافية مباشرة مع آسيا الوسطى، إلا أنها بمثابة «الوطن الأم» لمعظم شعوب تلك الدول، بحكم تراثها الثقافي التركي، ولقد منحت التطورات الجيوسياسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أنقرة فرصة إعادة توجيه سياستها نحو المنطقة.

هذه السياسة الجديدة حظيت بموافقة ودعم الولايات المتحدة التي تعتبر تركيا عنصراً مهماً في مواجهة ما تسميه التهديد الإيراني في المنطقة، وكذلك في مواجهة استعادة روسيا للحلم السوفييتي، وبدأ التغلغل التركي في دول آسيا الوسطى من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.

مستنداً إلى صورة تركيا لدى هذه الجمهوريات المسلمة، وطموحاً لبناء عالم تركي (أي يستخدم اللغة التركية) يمتد من البلقان وحتى حدود الصين الغربية، يمنح تركيا مكانة إقليمية وعالمية كبيرة، الأمر الذي أثار مخاوف وقلق روسيا المستقلة.

حرب الشيشان

وركزت تركيا في آسيا الوسطى على الاعتبارات الاقتصادية ومصادر الطاقة، خاصة في منطقة بحر قزوين، ولقيت تركيا دعماً أميركياً من أجل بناء خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز من آسيا الوسطى إلى ميناء جيهان التركي عبر خط «باكو ـ جيهان» تفادياً لمروره عبر الأراضي الروسية أو الإيرانية، فيما يعرف بحروب الطاقة وخطوط الأنابيب.

وبدأ تضارب المصالح والصراعات بين تركيا وروسيا في المنطقة، ومن أجل إلهاء روسيا وجذب انتباهها بعيداً عن منطقة أسيا الوسطى وثرواتها الهائلة من النفط والغاز، اتجهت أنقرة اتجاهاً حاداً في المشاركة في مخطط تفتيت ما تبقى لدى روسيا من قوة ومن ميراث الدولة السوفييتية، فقررت دعم الجماعات الدينية المتطرفة في شمال القوقاز وتأجيج الحماس لديها لمحاربة روسيا.

وتسبب الدعم التركي للمقاتلين الشيشان في إشعال غضب روسيا لدرجة باتت تهدد بالفعل بالصدام بين البلدين، وفتحت أنقرة أراضيها للمقاتلين الشيشان وقياداتهم، وأمدتهم بالسلاح والمال، وكادت الشيشان أن تتسبب في صدام مباشر بين موسكو وأنقرة.

لكن حالت العلاقات التجارية والاقتصادية التي ازدهرت بين تركيا وروسيا في فترة التسعينات دون تصعيد الأزمة إلى حد الصدام، خصوصاً وأن الشركات وأفواج العاملين والتجار الأتراك كانت قد بدأت تتوافد على روسيا المستقلة، بينما بدأت أفواج السائحين الروس تتوافد على تركيا.

بوتين وأردوغان

مع مطلع الألفية الثالثة بدأت العلاقات بين تركيا وروسيا تتجه اتجاهات أخرى أكثر تقارباً واستقراراً ونمواً، مع مجيء الرئيس فلاديمير بوتين للحكم في الكرملين، وتوافق ذلك مع صعود نجم الرئيس رجب طيب أردوغان في تركيا، وكلا من الزعيمين اعتمدا في حكمهما لبلادهما على الشوفينية الوطنية وعلى الكاريزما الشخصية التي أكسبتهما شعبية كبيرة في بلادهما.

بالرغم من أن كلاهما متهمان بأنهما مستبدان بنزعات قومية قوية، دفعتهما إلى عدم تحمل النقد الموجه إليهما من أية جهات داخلية أو خارجية، مما أثر على مستويات حرية الرأي والديمقراطية في كلا البلدين، كما أن ممارسات القمع من قبل نظامي بوتين في روسيا وأردوغان في تركيا للمعارضة في الشوارع ومصادرة الحريات وقمع الصحافة تكاد تتشابه.

وزاد من حدة سياستهما هذه غرورهما بشعبيتهما الزائدة التي تنعكس في نتائج انتخابات لا تخضع لمعايير الشفافية والنزاهة الديمقراطية، هذه الكاريزما والشعبية التي زادت من حدة ثقة كلا من بوتين وأردوغان في أنفسهما بالدرجة التي جعلت كلاهما لا يرغبان في الاعتراف بالخطأ أوالتراجع خشية فقدان ماء الوجه.

دفء العلاقات

التنافسية في الصفات والكاريزما بين الفرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان لم تحول دون التقارب بينهما، وحتى تبادل إعجاب كل منهما بالآخر، الأمر الذي انعكس إيجابيا على تطور ونمو العلاقات بين البلدين، وتعدد الزيارات المتبادلة والدافئة بين زعماء البلدين لأكثر من 10 مرات.

وتكونت علاقة جيدة بين كلا الزعيمين أردوغان وبوتين، وكان المسار الاقتصادي الرافد الأول لعملية التقارب الروسية-التركية، وأصبحت روسيا أهم مورِّد للغاز الطبيعي لتركيا التي باتت سابع شريك تجاري لروسيا.

وأصبحت تركيا الوجهة الأولى للسائحين الروس الذين زاد عددهم على 5 ملايين سائح روسي سنويّاً، وزاد حجم التبادل التجاري بين البلدين من 11 مليار دولار عام 2004، إلى 34 ملياراً عام 2014، وأثناء زيارة بوتين الأخيرة لتركيا في ديسمبر من العام الماضي، تم توقيع اتفاقات بين البلدين تعطي مؤشرات لنمو التبادل التجاري بينهما إلى مائة مليار دولار عام 2020.

خط الغاز

أعلن بوتين أثناء زيارته لتركيا عن تأسيس خط الغاز (السيل الأزرق 2) الذي سيتدفق من خلاله الغاز الروسي إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، ليكون بديلاً للخطوط التي تمر عبر أوكرانيا، وتتحول أنقرة بذلك إلى بوابة شرقية لصادرات الغاز الروسي إلى أوروبا، وهو ما يعزز موقف تركيا أمام الاتحاد الأوروبي الذي لايزال يرفض انضمامها إليه، وسعياً لتنشيط المجالين التجاري والسياحي تقرر إلغاء تأشيرة الدخول بين البلدين، وبدا وكأن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين على وشك أن تمحو آثار ماضي الحروب والخلافات بين البلدين.

سوريا وأوكرانيا

على الرغم من هذا، توجد خلافات كثيرة بين موسكو وأنقرة حول قضايا ثنائية وإقليمية ودولية، منها الأزمة في سوريا التي تتعارض فيها مواقف البلدين بشكل حاد وجذري، خصوصاً مع تصميم تركيا على إسقاط نظام الأسد الذي تدعمه وتدافع عنه روسيا في سوريا، ودعم أنقرة للمعارضة السورية المسلحة، لكن هذه الخلافات لم تؤثر في العلاقات بين البلدين حتى وقوع حادث إسقاط الطائرة السوخوي الروسية وقتل قائدها.

أيضاً هناك خلافات ببين البلدين حول الأزمة الأوكرانية، واعتراض تركيا على ضم روسيا للقرم ودعمها لتتار القرم المعارضين لموسكو، ولكن هذا الخلاف أيضاً لم يمنع دعم تركيا للحل السياسي للأزمة، ورفضها تأييد العقوبات الأميركية والأوروبية ضد روسيا بسبب أوكرانيا.

كذلك بالنسبة لمصر التي ترفض تركيا الاعتراف بنظام الحكم القائم فيها برئاسة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وتعتبره نظاماً انقلابياً أطاح بشرعية حكم الإخوان المسلمين الديمقراطي، حسب أنقرة، بينما تدعم روسيا مصر الثورة والسيسي اقتصادياً وعسكرياً، وتدين حكم الإخوان الذين تعتبرهم موسكو جماعة إرهابية .

وهناك الأزمة القبرصية، حيث تدعم روسيا حكومة قبرص اليونانية ضد قبرص التركية، وعدد آخر من المشكلات في البلقان والقوقاز كالمواقف المختلفة تجاه كوسوفو وجورجيا، والدعم الروسي لأرمينيا في صراعها مع أذربيجان التي تدعمها تركيا.

المنعطف الأخير

كل هذه المشاكل والخلافات لم تعق نمو العلاقات بين روسيا وتركيا إلى مستويات غير مسبوقة، اقتصادياً وتجارياً واستثمارياً وسياحياً، إلى أن وقعت الحادثة الكبرى التي غيرت مجرى العلاقات بين البلدين تماماً، وأدت إلى تصعيد حدة التضارب بين الشوفينية القومية لدى بوتين وخصمه أردوغان.

وذلك بعد إسقاط المقاتلات التركية للمقاتلة السوخوي الروسية في 24 نوفمبر الماضي، وقتل قائدها، وهو الحادث الذي على ما يبدو من تداعياته أنه سيشكل منعطفاً خطيراً في العلاقات بين البلدين، يتصور البعض أنه يمكن أن يؤدي للصدام المسلح بينهما، خاصة وأن النزعة القومية لدى كل من بوتين وأردوغان تجعل من الصعب على كل منهما التراجع عن موقفه.

مقارنة

القدرات العسكرية في البلدين

حسب موقع «جلوبال فاير باور» المتخصص في الشؤون العسكرية، تتفوق روسيا على تركيا عسكرياً.

وتحتل روسيا من حيث القوة العسكرية المركز الثاني بعد الولايات المتحدة، أما تركيا ففي المركز العاشر، ويمتلك الجيش الروسي 15398 دبابة، أما الجيش التركي فيمتلك 3778، وتمتلك موسكو 31298 مصفحة أما تركيا 7550، ولدى الجيش الروسي 5972 عربة ذاتية الدفع، أما الجيش التركي 1013 فقط، وتمتلك روسيا أيضاً 3793 نظام إطلاق للصواريخ المتعددة مقابل 811 في تركيا.

تتفوق روسيا على تركيا ثلاث مرات في عدد وحدات القوات الجوية، حيث يوجد لدى القوات الجوية الروسية 3429 وحدة مقابل 1020 في تركيا، والبحرية الروسية تتفوق على البحرية التركية بمعدل 352 وحدة مقابل 115 لتركيا فقط. وتعد الميزانية العسكرية أحد المؤشرات الرئيسية أيضاً، حيث تنفق موسكو 60.4 مليار دولار، في حين بلغت ميزانية تركيا العسكرية 18.15 مليار دولار.

مواقف

أسباب للتوتر في العلاقات

اعتبرت روسيا أن تركيا دولة مقربة من الولايات المتحدة، وأنها منافس استراتيجي في منطقة أوراسيا ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

وخلال سنوات التسعينات، تبنت روسيا وتركيا مواقف متعارضة في الكثير من القضايا مثل البوسنة وكوسوفو والشيشان، حيث العلاقات التاريخية الوثيقة بين تركيا والشعوب المسلمة في هذه الأقاليم، ووجود مجموعات كبيرة من الشتات البلقاني والقوقازي على الأرض التركية، وهذا أيضاً ما يفسر هذه المواقف والمقاربات المتعارضة.

 أما السياسة التركية داخل حلف شمال الأطلسي المتوافقة مع رؤية توسيع الحلف باتجاه جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، فزادت من استياء روسيا. هذه العوامل مجتمعة من الأسباب الرئيسية للتوتر بين البلدين.