توجه الرئيس التونسي باجي قائد السبسي، أخيراً، إلى أمةٍ لا يزال جمهورها يرتعب من هول الاعتداءات الإرهابية التي ضربت قلب البلاد، وكان يتوقع منه أن يستعرض الوضع الأمني المتدهور، لكنه تطرق للأمر بإيجاز، لينتقل إلى الحديث عن الخلافات الداخلية التي تعتري حركة «نداء تونس»، الحزب الحاكم الذي أسسه السبسي نفسه قبل ثلاثة أعوام في أعقاب الثورة، التي أطاحت بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي.

إلا أن قراره التحدث في هذا الموضوع لم يكن بالأمر المفاجئ، سيما أنه قبيل الاعتداء الإرهابي الأخير، غرقت ديمقراطية تونس حديثة العهد بأزمة انبثقت من إعلان 31 من مشرعي الحزب الاستقالة من الكتلة النيابية، وبالتالي تجريد «نداء تونس» من الأغلبية.

أبدى السبسي تحسراً على الاضطرابات القائمة باستخدام تعابير دراماتيكية، فقال: «يبدو أن هناك أزمةً حالية، أزمةً على صعيد القيادة. كما يبدو أن الخلافات وصلت إلى طريق مسدود.»

انكشفت اليوم هشاشة الحزب المتلازمة للعلن، ليتضح وجود معسكرين، أحدهما بقيادة حافظ قائد السبسي، وآخر يشمل مجموعة المشرعين المستقيلين، التي تعارض ما تعتبره نزعات مناهضة للديمقراطية يمارسها قادة الحزب الذين كانوا مقربين من نظام بن علي.

نجحت استراتيجية «نداء تونس» في دفع الناس للتصويت لها، منعاً لوصول حزب النهضة مجدداً إلى السلطة، إلا أن الإشكالية تمثلت بجانب منها في الدمج الكارثي بين الحزب ودولة النظام القديم.

إلا أن استقالة السبسي من الحزب أفضت سريعاً إلى اتساع هوة الشقاقات الداخلية، مما أدى إلى تفككه بالسرعة ذاتها التي نشأ بها، وعودة المتشددين إلى الواجهة من باب الغالبية النيابية.

وبمعزل عن أزمة الحزب الحاكم، يثير خطاب السبسي التساؤلات حول مدى انفصال الدولة عن الحزب فعلياً، ويشير على ما يبدو إلى أن هيكلية الحياة السياسية في تونس لا تزال تخترقها العادات الشمولية القديمة.