هجمات باريس المروعة، الأكثر دموية في فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية، تمثّل فاصلا جديدا في الإرهاب ومواجهته، بما يتماشى مع التكتيك الجديد والمخيف لتنظيم «داعش»، الذي وسّع دائرة الاستهداف الجغرافي من احتلال أراضي في المنطقة والسيطرة على مقدّراتها إلى تنفيذ عمليات معقدة خارج حدود سيطرته، تعتمد على تخطيط محكم وتدريب وتسليح، بما يخلّف أكبر عدد ممكن الضحايا المدنيين ويضخم الضجة الإعلامية المحيطة به.
الهجمات تعكس الجاذبية التي تحملها أوروبا والغرب بشكل عام لـ «داعش»، كما أنها باتت تؤرخ لمواجهة مع نوع جديد من الحرب ونوع جديد من الإرهاب.
بالنسبة لزعماء التنظيم، لاسيما في مدينتي الرقة والموصل، لا يزال الهدف الذي يحظى بالأولوية هو احتلال الأراضي استكمالاً للنهج المتبع منذ العام الماضي، ولكنهم بدأوا مؤخراً تنفيذ هجمات في أماكن بعيدة عنهم، وذلك بعد محاصرتهم بالغارات الجوية اليومية التي يشنها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة..
ومع تضييق الخناق على الأرض، لاسيما مع انضمام تركيا للتحالف ومع سيطرة ميليشيا قوات حماية الشعب الكردية على الجزء الأكبر من الحدود، الأمر الذي يعيق وصول آلاف المتطرفين القادمين من أوروبا للانضمام إلى صفوف «داعش».
لذا، يبدو أن عناصر التنظيم الذين يتولون التجنيد بدأوا حضّ أتباعهم على البقاء في بلدانهم والتخطيط لتنفيذ هجمات فيها، ما يعزز التحذيرات المتتالية من احتمال وقوع هجمات إرهابية أخرى على غرار ما حدث في باريس.
إرهاب جديد
هجمات باريس، التي وقعت في 13 الجاري وأسفرت عن مصرع 129 مدنياً وإصابة 350 آخرين، لم تكن منفردة أو عفوية رغم بساطة تنفيذها النسبية، فهي تطلبت الكثير من التخطيط والاستعداد والتجنيد والتدريب والتسليح.
فالمهاجمون يعملون في شبكات محكمة واستخدموا الأحزمة الناسفة، وهي المرة الأولى التي تستخدم فيها هذه الوسيلة في أوروبا. وبحسب رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون برينان، «فقد تم التخطيط للهجمات بعناية على مدى شهور».
وتحدث خبراء أمنيون عن تغير نوعي في الطريقة التي ينفذ بها «داعش» هجماته الإرهابية، ووصل بعضهم إلى حد تشبيه الاعتداءات التي تعرضت لها باريس بهجمات 11 سبتمبر 2001، من حيث التخطيط رغم الاختلاف في الوسائل.
ويقول رئيس المركز الدولي لدراسة التطرف بكلية لندن بيتر نيومان لـ «بي.بي.سي» إن الهجمات صدمت الجميع من ناحية الحجم والتعقيد. فيما يؤكد خبراء في شؤون الإرهاب أن أمن الدول الغربية توقع وقوع هجمات، ولكنه لم يظن أن «داعش»، الذي أعلن اختيار المواقع المستهدفة في قلب العاصمة الفرنسية بدقة، قادر على تنفيذ أمر بهذا الحجم.
حرب عالمية ثالثة
رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس أكد أن هجمات باريس تم التخطيط لها في سوريا، محذراً من وقوع هجمات جديدة قد تكون كيماوية أو بيولوجية.
فيما وصفها الرئيس الألماني يواخيم غاوك بأنها «نوع جديد من الحرب». بينما اعتبر بابا الفاتيكان فرانسيس أنها «جزء من التدرج نحو حرب عالمية ثالثة».
شبكة «بي.بي.سي» تطرقت في تقرير لها إلى مدى التغيير في طبيعة الإرهاب الذي تواجهه أوروبا، من خلال مقارنة ما شعر به سكان باريس عقب الهجوم الذي استهدف مجلة تشارلي إيبدو الساخرة في يناير الماضي، وشعورهم بعد الهجمات الأخيرة الدامية، التي وصفتها بأنها «وحشية وعشوائية بصورة أقرب إلى أجواء مدن مثل بيروت وبغداد وليس باريس أو لندن».
فيما يعيد هذا الأسلوب في العمليات للأذهان الهجمات التي كان ينفذها تنظيم القاعدة في أوائل القرن الحالي، والتي تميزت بضخامتها والعدد الكبير من الضحايا للحصول على أكبر قدر من الدعاية حول العالم.
استهداف مدنيين
وبغض النظر عن التحليلات التي تتحدث عن وجود خلايا نائمة تابعة للتنظيم في أكثر من بقعة حيوية بانتظار إشارة الانطلاق والقتل، أو وجود ما يعرف بـ «الدواعش المستقلين» غير المعروفين للأجهزة الأمنية والقادرين على توجيه ضربات مؤثرة للدول، أو ربما وجود مجموعات ضيقة تنتمي عقائدياً..
وعن بُعد للتنظيم وتخطط وتنفذ الهجمات باسمه، أو أن الدعوة المفتوحة التي وجهها «داعش» عبر إعلان ما يسميه «الخلافة» تكفي لتشكل خلايا وتنظيمات جديدة قادرة على التحرك منفردة، فإن من المؤكد أن التنظيم قرر نقل المعركة إلى واحدة من أخطر المراحل المتمثلة باستهداف المدنيين وضرب منظومة الحياة اليومية لدول غربية، فيما يعرف باستهداف «العدو البعيد».
ما يعزز تلك الفرضية إعلان «داعش» مسؤوليته مؤخراً عن سلسلة هجمات خارج مناطق سيطرته. ففي يونيو الماضي، تبنى التنظيم الهجوم الذي استهدف منتجع سوسة التونسي والذي راح ضحيته 38 سائحاً، معظمهم من البريطانيين.
وفي أكتوبر، اتهمت تركيا التنظيم بالمسؤولية عن الهجوم الانتحاري الذي استهدف أنقرة، وأسفر عن مقتل 102 شخص، وهو الأعنف في تاريخ الدولة الحديث. وفي وقت لاحق من الشهر ذاته، أعلن فرع التنظيم في شبه جزيرة سيناء المصرية مسؤوليته عن إسقاط طائرة ركاب روسية وقتل ركابها الـ 224، فيما أكدت موسكو فرضية سقوط الطائرة بعمل إرهابي.
وفي الثاني عشر من الشهر الحالي، أعلن التنظيم مسؤوليته عن التفجيرين اللذين استهدفا ضاحية بيروت الجنوبية، معقل حزب الله اللبناني، وأسفرا عن مقتل 44 شخصاً.
فشل استخباراتي
المثير للرعب في مختلف الهجمات السابقة، لاسيما في باريس، أن المسؤولين في الدول المستهدفة تلقوا تحذيرات متكررة من وقوعها وأن الضالعين فيها كانوا محط أنظار أجهزة الأمن في تلك الدول.
فالسلطات الفرنسية أعلنت ضلوع المتشدد البلجيكي عبدالحميد أباعود، المتحدر من أصول مغربية والمطلوب لها منذ مدة، في التخطيط لهجمات باريس الدامية، ولكن التساؤل كيف نجح أباعود في مراوغة المخابرات البلجيكية.
صحيفة «لوموند» الفرنسية ذكرت أن أباعود (28 عاماً) سبق له أن خطط لشن هجمات في مدن أوروبية عدة، لكن تم إجهاضها بأكثر من طريقة، كما أنه طرف مدبر لمخطط لتفجير كنيسة في منطقة إيل دو فرانس في أبريل الماضي، ومخطط استهداف قاعة حفلات في أغسطس الماضي، إضافة إلى المشاركة في استهداف قطار تاليس الفرنسي في الشهر نفسه.
وبالنظر إلى الخطورة التي بات يشكلها أباعود، فقد رشح اسمه بقوة في قائمة مستهدفي الغارات الفرنسية على «داعش» بسوريا. لكن «لوموند» اعتبرت أن مسار أباعود دليل على إخفاق المخابرات الأوروبية أمام ظاهرة الإرهاب، ذلك أنه استطاع أن يغادر إلى سوريا في مطلع 2013، قبل أن يعود إلى بلجيكا في نهاية العام نفسه عبر اليونان، قبل أن يعود إلى سوريا مرة أخرى.
أما الانتحاري عمر إسماعيل مصطفاي، فقد ولد في ضواحي العاصمة الفرنسية، وكان مدرجاً على قائمة المراقبة الأمنية بعد أن قضى عدة شهور في سوريا، خلال شتاء 2013-2014.
كذلك، أعلنت اليونان أن جواز السفر السوري الذي وجد بالقرب من جثة أحد المهاجمين في باريس ينتمي إلى لاجئ راجعت السلطات وثائقه عند مروره من خلال جزيرة ليروس اليونانية.
فيما قال رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون برينان إن وكالته تلقت تحذيرات استراتيجية لوقت طويل عن هجوم باريس، لذا فالهجمات «ليست مفاجأة».
ذئاب منفردة
رئيس مراسلي الشؤون الأمنية في شبكة «سي.إن.إن» جيم سكيوتو دعا العالم إلى تغيير استراتيجية التعامل مع «داعش»، مضيفاً أن المخابرات الفرنسية كانت تراقب أحد المشاركين بهجمات باريس.
وأشار سكيوتو إلى أن استراتيجية «بتر الأعضاء» من خلال قتل عدد من قادة التنظيم لن تجدي بالتعامل معه، وأن عناصره يشكلون «ذئاباً منفردة» ويمكنهم العمل بشكل مستقل وحدهم.
وأضاف أن فرنسا كانت تراقب أحد المشاركين بالهجوم منذ فترة، وأن هذا الفشل الاستخباراتي تكرر سابقاً في الهجوم على صحيفة تشارلي إيبدو عندما كان أحد منفذي الهجوم تحت مراقبة الاستخبارات قبل تنفيذه العملية.
وأشار سكيوتو إلى تصريح الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بشأن احتمال كون الهجمات «منظمة في الخارج بدعم محلي»، حيث عثرت السلطات على جوازات سفر لسوري ومصري وبصمات تعود لفرنسي.
تحركات غربية
إن انتقال التنظيم إلى المواجهة المفتوحة مع معالم الحياة المدنية يعني أن كثيراً من الدول الكبرى والدول التي لم تستهدف إلى الآن قد تكون على موعد مع هجمات مروعة، وهو ما يتطلب إستراتيجية شاملة وفعالة لمواجهته، تتجاوز قصور القصف الجوي على مواقعه، لاسيما في ظل تصاعد التحذيرات الرسمية.
ووسط دعوات إلى تدخل بري ضد «داعش» في معاقله في العراق وسوريا، ومع تغيير فرنسا سياستها الدفاعية بشنّ سلسلة هجمات جوية انتقامية، يشكك مراقبون في إمكانية إرسال جنود وبدأ قتال على الأرض.
ويقول الأكاديمي الفرنسي جان بول شانيولو إن محاربة «داعش» لا تكفي بالقصف فقط وإنما عن طريق تدخل بري، ويضيف أنه يجب النظر في قوة دولية متعددة الأطراف وتعنى بالقتال البري، داعياً إلى استراتيجية عالمية لمكافحة التنظيم تمر عبر مجلس الأمن الدولي.
فيما يرى المحلل الأميركي في شؤون الشرق الأوسط أنتوني كوردسمان أن الرئيس باراك أوباما قد يكثف تدخل الولايات المتحدة لدعم المقاتلين المناهضين لـ «داعش» في العراق وسوريا، معتبراً أن تحركات مماثلة لتكثيف دعم واشنطن للقوات المحلية لن تؤدي على الأرجح إلى نتائج سريعة.
تدخل الناتو
هجمات باريس المروعة، قد تدفع فرنسا إلى طلب المساعدة من حلف الناتو، أسوة بتحركه بعد 11 سبتمبر، وذلك بعد طلبها الدعم من أوروبا. ويقول أميرال البحرية المتقاعد جيمس ستافريديس، الذي خدم قائدا للناتو في أوروبا، إنه «ينبغي أن يقوم الحلف بدور عسكري، وأن تكون إجراءاته مدروسة وعلى نطاق واسع».
ويرجح ستافريديس استدعاء قوات خاصة من الناتو إلى العراق وسوريا، قد يشاركوا في جمع المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ الغارات، مشدداً على ضرورة أن يرحب الحلف بالمشاركين من خارج الحلف، لاسيما روسيا.
تصعيد محدود
ويرجح مراقبون تصعيد محدود من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. ويقول ريتشارد فونتين، مستشار السياسة الخارجية السابق للسناتور الجمهوري جون ماكين، إن أوباما قد يقوم بتغيرين على الأقل في العراق، والذي يقاومهما حتى الآن، وهما إلحاق مستشارين عسكريين أمريكيين بوحدات الجيش العراقي قرب الخطوط الأمامية، ونشر مراقبين جويين في ساحة المعركة لتحسين فعالية الضربات الجوية، لكنه يستبعد إمكانية شن الولايات المتحدة غزواً برياً.
بدوره، يرى أستاذ الشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن ستيفن بيدل أنه من الخطأ شن هجوم بري. قائلاً: «لهزيمة التنظيم الإرهابي بشكل حاسم لا بد من وجود مئات الآلاف من الجنود الغربيين على الأرض، لكن لا أحد يعتقد أن تهديد التنظيم يتطلب مثل هذا القدر من الالتزام».
هجمات باريس الأكثر دموية في أوروبا منذ 2004
تعتبر الهجمات التي استهدفت باريس الأكثر دموية التي شهدتها أوروبا في السنوات الأربعين الماضية، بعد اعتداءات مدريد في 11 مارس 2004.
ومن أبرز الهجمات التي شهدتها أوروبا، هجوم في 7 يونيو 2014 في باريس، حيث قتل مسلحان فرنسيان 12 شخصا، من بينهم خمسة رسامين في مجلة شارلي إيبدو. وفي 22 يوليو 2011، فجّر متطرف يميني قنبلة قرب مقر الحكومة في أوسلو موقعا ثمانية قتلى، ثم أطلق النار في مخيم صيفي للشبيبة في جزيرة أوتويا وقتل 69 شخصا.
كما وقعت أربعة اعتداءات انتحارية في بريطانيا في 7 يوليو 2005، وأوقعت 56 قتيلا و700 جريح. وفي 11 مارس 2004، وقع الهجوم الأعنف، حيث انفجرت عشر قنابل في العاصمة الإسبانية مدريد وضاحيتها، ما أدى إلى مقتل 191 شخصا وألفي جريح. باريس- أ.ف.ب
3
يرى مراقبون أن تنظيم «داعش» يتطلع إلى تحقيق ثلاثة أهداف من وراء هجمات باريس الدامية.
أولاً: الانتقام من فرنسا بسبب تدخلها العسكري، ضمن التحالف الدولي للقضاء على التنظيم في العراق وسوريا، كما أنها تحمل رسالة تحذير إلى أعضاء التحالف أو الدول الراغبة في الانضمام إليه، حيث هدد «داعش» دول التحالف بأنها ستلقى مصير فرنسا نفسه وتوعد بشن هجوم في واشنطن. ثانياً: زعزعة الإحساس بالأمن لدى مواطني فرنسا خاصة والغرب بصورة عامة، وأن الصراع لا ينحصر فقط في العراق وسوريا.
ثالثاً: مساعدة التنظيم على تجنيد متطوعين جدد ضمن آلته الدعائية التي تروج لـ«قدرته على توجيه ضربات موجعة للغرب»، وذلك بعد مرور شهور عدة لم تسجل خلالها عناصره إنجازات بارزة، ومع تلقيه ضربات موجعة منها تحرير سنجار في العراق. عواصم- وكالات
