لاحظ عدد من المراقبين أن استراتيجية تحالف الغرب ضد «داعش» أفضل مما تبدو عليه، إلا أنها لا تبدو جيدة جداً في أكثر الأحيان، وهي التي ستملأ العالم بالحديث عنها بصوت أعلى في الفترة المقبلة، تزامناً مع تصعيد القوات الفرنسية والأميركية والبريطانية غاراتها الجوية ضد مواقع التنظيم، رداً على اعتداءات باريس الوحشية.

ويعتبر غضب السياسيين حيال العدوان الإرهابي مبرراً، تماماً كما التصميم الشعبي للمضي قدماً ومنع الإرهابيين من الشعور بالنصر. عادةً ما يحسن الشعب التصرف فور وقوع تلك الأحداث، إلا أن الاختبار الحقيقي لمدى العزم والتصميم والسماحة والتلاحم الاجتماعي يظهر بعد ستة أشهر أو سنة من وقوع الاعتداءات.

أما بالنسبة إلى اللحظة الراهنة، فقد وضع الاعتداء الإرهابي الأكبر على أوروبا استراتيجية الحكومات الغربية المناهضة لـ«داعش» تحت الأضواء، لا سيما لناحية حملة الغارات في العراق وسوريا.

ويكمن الفشل الواضح في الاستراتيجية العسكرية الغربية في برنامج التدريب الهادف نحو بناء قوة فاعلة في أوساط «المعارضة المعتدلة» لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وقد جاء التدخل العسكري الغربي في كل العمليات لشراء الوقت للقوات المحلية للتدريب والحفاظ على الأمن والنظام، إلا أن خطتها لم تنجح في كل من العراق وسوريا وأفغانستان.

كما أن الغرب فشل على نحو أسوأ في بناء استراتيجية سياسية متلاحمة، تنهي الحروب الطائفية التي مزقت المنطقة، وباتت تنشر الإرهاب في أوروبا.

ولعل اعتداءات باريس ستشكّل نقطة التحول، وتقرب الأوروبيين من السياسة الأميركية الرامية لـ«تفكيك داعش وتدميره»، كما من المحتمل أن تجعل التنظيم هدف روسيا الأول، عقب الاعتداء على طائرتها، أخيراً. وقد يظهر كذلك نوعاً من الإجماع حول إعادة رسم ملامح نظام الأسد في الدولة السورية المعاد صياغتها.

تعتبر كل تلك الاحتمالات قائمة في ظل خطط قيادة «داعش» بشن الحرب المتعددة الأطراف، ونظراً إلى إمكانية ألا يكون اعتداء باريس هو الأخير الذي سيتسبب في المزيد من الغضب والإصرار في الفترة المقبلة.

لكن إذا لم تثبت باريس أنها نقطة تحول، فأين يترك ذلك الاستراتيجية السياسية والعسكرية لحكومات الغرب التي يمكن أن تختار بين اعتماد استراتيجية خطرة للهروب من الأزمة، أو استراتيجية تجنب المخاطر التي من المرجح أن تغرقها أكثر في الدوامة.

ولا يمكن لخيار تجنب المخاطر، القائم على مواصلة الدعم للقوات الكردية، إنتاج استراتيجية سياسية متماسكة، بما أن الأكراد لن يحاربوا إلا دفاعاً عن المناطق التي يريدونها لإقامة كردستان مستقلة، وهو الأمر الذي يحول دون وضع استراتيجية شاملة للبلاد ككل.

أما الخيار الوحيد المتبقي فيرتكز على إمكانية أن تهيئ اعتداءات باريس الأجواء لعودة القوات الغربية إلى المنطقة مجدداً، ومع أننا لم نصل إلى تلك المرحلة بعد، إلا أننا نواجه مخاطر تصاعدية في ذاك الاتجاه، حيث تعتبر مخاطر استراتيجيات تجنب المخاطرة أكثر خطراً من ذي قبل.