أقدم تنظيم «داعش» على قتل أعداد كبيرة من المدنيين، لإظهار قوته، وزرع الخوف بين معارضيه. وفي الغرب، يلاحظ الناس هذه المذابح فقط عندما تحدث في شوارعهم.
فقد تمكن انتحاريو التنظيم من قتل 43 شخصاً في الثاني عشر من نوفمبر في بيروت، و26 شخصاً في بغداد في الثالث عشر من نوفمبر.
ومن غير الممكن وقف هؤلاء الإرهابيين، لأنهم موجهون ضد المدنيين، الذين لا يمكن حمايتهم، فالمفجرون على استعداد للموت مقابل إبادة المدنيين.
وقد أعلن تنظيم «داعش»، مسؤوليته عن هجمات باريس، قائلاً إن فرنسا استهدفت بسبب هجماتها الجوية في سوريا. وحاز الحادث على أكبر تغطية إعلامية، حيث استخدم فيه ثمانية مهاجمين مسلحين في العاصمة باريس، نوعاً جديداً من التكتيكات العسكرية، التي يمارسها التنظيم للمرة الأولى. وهناك فارق واحد فقط عن جريمة القتل التي وقعت في مجلة «شارلي إيبدو»، وهو أن «داعش» بات أكثر تعقيداً وتخطيطاً.
تكثيف الهجمات
التجنيد والتسليح والتنسيق والتستر على القتلى في باريس، حتى اللحظة الأخيرة، ما هو إلا نوع من التكتيك المنظم. الشيء ذاته بدا بالنسبة إلى تهريب قنبلة على متن طائرة روسية قبل أن تقلع من شرم الشيخ في الثلاثين من أكتوبر، حسب رؤية بعض المحللين.
ما هو تفسير تكثيف تنظيم «داعش» للهجمات الانتحارية خارج سوريا والعراق؟، مقتل المدنيين على اعتبار أنهم متواطئون في أعمال حكوماتهم، كان دائماً جزءاً من أيدلوجيا القاعدة، وهي الطريقة التي بدت واضحة في هجمات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك.
وفي معظم الهجمات، فإن الانتحاريين يقتلون أنفسهم مع أعدائهم، لإظهار أفكارهم المتطرفة. إلا أن هناك سبباً أبعد، يفسر عزم تنظيم «داعش» على شن هجمات لإظهار قدرته على التفجير في أي مكان في العالم. فللمرة الأولى خلال سنتين، أي الفترة التي أقام فيها التنظيم دولته الخاصة غربي العراق وشرقي سوريا، عاد يمارس ضغطاً عسكرياً على عدد من الجبهات.
وفي الماضي، كان التنظيم يتعامل مع عدد كبير من الأعداء المفككين، واحداً تلو الآخر، إلا أنه يواجه اليوم هجمات على عدد من الجبهات في الوقت نفسه. والجيش السوري، الذي يسانده الحلفاء الروس بالضربات الجوية، أنهى الحصار المفروض من قبل تنظيم «داعش» على قاعدة كويرس الجوية غربي حلب. واعتبر ذلك أكبر انتصار حققته الحكومة السورية خلال سنتين.
الأكراد السوريون، بالتعاون مع القوات الجوية الأميركية، تقدموا بدورهم جنوبي الحسكة، بينما سيطر أكراد العراق مجدداً، بالتعاون مع القوات الجوية الأميركية، على مدينة سنجار غربي الموصل. تنظيم «داعش» أصبح يواجه صعوبة الآن في التنقل بين الرقة والموصل، وقد يفقد قبضته على حقول النفط شمال شرقي سوريا، التي جنى منها أرباحاً طائلة.
تنويع التكتيك العسكري
وقد تبدو هذه التطورات على ساحات القتال في العراق وسوريا، بعيدة عن المجزرة التي حصلت في قلب باريس. إلا أن المهم في الأمر، هو فهم أن تنظيم «داعش» آلة قتال فعالة، بسبب مهاراتها العسكرية التي تطورت خلال سنوات القتال، والتي هي مزيج من الإرهاب في المناطق المدنية، وأساليب حرب العصابات.
وكان التنظيم قد استبق صيف عام 2014، بموجة من الانفجارات الانتحارية، باستخدام مركبات مفخخة في المناطق الشيعية في بغداد ووسط العراق. وتمثل هدفه في الإبقاء على أعدائه خائفين وغير مسيطرين على الوضع، وإظهاره للحلفاء أنه هو القوة المسيطرة على الأرض.
ولم يهتم أحد في الغرب كثيراً بآلاف العراقيين الذين قتلوا في حينه بسبب تفجيرات تنظيم «داعش» في العراق. وقفز عدد المدنيين الذين قتلوا في العراق من 4.623 عام 2012 إلى 9.473 عام 2013 وإلى 17.045 عام 2014، بحسب موقع عراقي مستقل، يظهر عدد القتلى. وكان عدد كبير من هؤلاء الذين قتلوا بتفجيرات تنظيم «داعش» من الشيعة.
هجمات
هناك سبب يعزى إليه أن تنظيم «داعش» يجد أن من الأفضل له أن يستخدم مهاجمين من خارج ما يعرف بدولة «الخلافة».
وإحدى الهزائم التي مني بها هذا العام، هي خسارة المعابر الرئيسة بين سوريا والعراق وتركيا في تل الأبيض، التي استولت عليها وحدات حماية الشعب الكردية السورية في يناير الماضي. وتحتل هذه الوحدات نصف المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات، لذلك، فإن وصول تنظيم «داعش» إلى العالم الخارجي، بات محدوداً أكثر من ذي قبل.
ويرزح تنظيم «داعش» تحت ضغط عسكري غير مسبوق في العراق وسوريا، إلا أن ذلك لا يعني أنه سينهار. وقد يلجأ إلى توسيع نطاق الصراع، عبر شن هجمات مثل تلك التي رأيناها للتو في باريس.

