منذ ظهور المؤشرات الأولى إلى وجود عسكريين روس في مطار اللاذقية، انتشرت النظريات حول الاستراتيجية الروسية في سوريا ونواياها والأسئلة بشأن المدى الذي سيصلون إليه. وهناك الكثير من الأمور الخاطئة في تلك النظريات.
ووصف كثير من المحللين القوة العسكرية الروسية بأنها ضعيفة، وأشار بعضهم بشكل خاص إلى أوجه القصور في قدراتها الجوية والبحرية في سوريا. ولكن بالنظر إلى أداء الروس في ساحة المعركة، فالتقديرات تلك تبدو حتى الآن غير صحيحة، بل على العكس أظهرت روسيا أن لديها القدرة والطاقة، فضلا عن الاستعداد، لتوظيف قدراتها التقليدية للتوصل إلى أهداف سياسية محدودة.
القدرات الجوية
يقوم الروس بعدد كبير من الغارات التي تحقق نجاحات ملحوظة. ويقدر البعض أنها تتراوح بين 48 و 96 غارة يوميا. وهذا كثير بحسب ما جاء في مقال بصحيفة «نيويورك تايمز» أفاد أن:
«طائرات روسيا، حتى الآن على الأقل، تنفذ من الهجمات الجوية خلال اليوم الواحد ضد القوات التي تعارض حكومة الرئيس السوري بشار الأسد قدر ما تنفذه قوات التحالف العسكري بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش شهريا هذا العام».
وخلال هذه العملية أصابت القوات الروسية عددا كبيرا من الأهداف في صفوف القوات المعادية للأسد. وهناك تقارير، على سبيل المثال، تشير إلى أن الضربات الجوية الروسية قتلت أول مسؤول وحدة عسكرية ساحلية والنقيب السابق في الجيش السوري باسل زمو، القائد العسكري البارز، في 19 أكتوبر، بالإضافة إلى مقتل قائد ألوية نور الدين زنكي في معركة منفصلة.
وقيل إن قوات البحرية الروسية مهترئة، عوضا عن كونها جاهزة للقتال. إلا أن روسيا بشكل واضح تعدل سفنها القديمة، وتشتري سفنا جديدة. وكشفت القوات البحرية عن قدرات خاصة، ومنها ما يتمثل في طرادات بحر قزوين والفرقاطات التي يمكنها أن تطلق صواريخ كروز إلى أهداف على بعد 900 ميل.
ولوضع الأمور في نصابها، فإن السفينتين المقاتلتين الأميركيتين المناظرتين، وهما «فريدوم» و«إندبندنس» أكبر بمقدار 2.900 طن و 3.100 طن على التوالي، إلا أنهما لا تستخدمان أي صواريخ كروز أو قدرات صاروخية مشابهة.
ولهذا فإن القدرات العسكرية الروسية اعتبرت اكتشافا جديدا. وأرسلت إلى الغرب رسالة قوية، مفادها أن أسطول بحر قزوين الروسي يعد بمثابة عامل تغيير حاسم. وبالنظر إلى التقنيات البسيطة وغير المكلفة وسهولة انتاج السفن، فإن القوات البحرية الروسية تظهر قدرات فريدة، وتبين نتائج جهود التحديث، والكثير منها غير معروف.
القدرات البحرية
وشكك المراقبون في فكرة أن البحرية الروسية، وعلى وجه الخصوص أسطول البحر الأسود، يمكنها الحفاظ على عمليات طويلة المدى.
ولكن على مدى السنوات الثلاث الماضية عثر على سلسلة من السفن التي تزود نظام الرئيس السوري بشار الأسد بالمعدات العسكرية عبر اللاذقية وطرطوس، ولم تظهر حتى الآن وجود علامات للتراجع.
وبالنظر إلى وجود التزام أكبر من جانب القوات البرية والجوية الروسية، فإن على الغرب توقع أن تزيد روسيا من الخدمات اللوجستية البحرية الضرورية من أجل الوفاء بالطلب المتزايد لحلفاء الرئيس السوري بشار الأسد، وهم يفعلون ذلك بالفعل.
وأثبت أسطول البحر الأسود قيمته الكبيرة بالنسبة إلى كل من روسيا وشركائها السوريين. ونشرت سفينة قيادة أسطول البحر الأسود «موسكوفا» وعدد من القطع البحرية الراسية قبالة الساحل السوري من أجل تزويد سوريا بالقدرات الدفاعية الجوية والصاروخية من البحر الأبيض المتوسط.
والانتقادات الموجهة في هذا الشأن تشير إلى أنها سفن مهترئة بتقنيات قديمة. وبالمقارنة مع سفن «ناتو» فإن ذلك صحيح. إلا أنها أكثر من كافية من أجل أداء الوظيفة التي نشرت لأجلها.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن توظيف هذه السفن ينذر بأن الغرض من القدرات الروسية هو التوصل إلى أهداف محدودة تتعلق بالسياسة الخارجية الروسية. ولذلك فإنها تمثل تهديداً لا يمكن لمخططي بحرية حلف «ناتو» تجاهله.
