يوصف ازدياد المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بأوصاف مختلفة، منها أنها انتفاضة الأفراد، أو انتفاضة القدس، أو انتفاضة الهاتف الذكي، أو انتفاضة السكاكين. وكل من هذه الأوصاف يمثل سمة مميزة لهذه الجولة من المواجهات بين الجانبين، لكن مهما اختلفت التسميات في هذه الهبة تحذير من تفاقم الوضع في المستقبل.

الخلاف المستمر بين كل من حركتي فتح وحماس، خلال السنوات التي تلت اتفاقات أوسلو، وما أثبتته هذه السنوات من أن الحركتين غير قادرتين على حماية مواطنيهما من العنف الممنهج للاحتلال، دفع بالشباب الفلسطينيين إلى الشارع، وهم مسلحون بالحجارة.

وقاد اليأس المتزايد والشعور بالتخلي هؤلاء الشباب إلى التنفيس عن غضبهم في وجه الإسرائيليين باستخدام أسلحة بدائية، كالمفكات والسيارات. ولفتت هذه الهجمات أنظار الصحافة العالمية من حيث إنها أصبحت تماثل العمليات الهجومية في الانتفاضة الثانية. إلا أن هذه الهجمات تمثل مقياساً لليأس الفلسطيني.

مركز الأحداث

وتعتبر القدس مركزاً للأحداث، والأقصى، الرمز الذي يوحد الفلسطينيين، مركزها. وبالنسبة إلى الفلسطينيين فإن الاستيلاء التدريجي على الأقصى ولا مبالاة الغرب يعتبر بمثابة مشاهدة السلب الشامل للأراضي المحتلة عام 1948 مجددا، ولكن بنهج بطيء.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن القدس تعتبر الحد الفاصل الرئيسي. والضم غير القانوني للمدينة ترك الفلسطينيين هناك في نوع من العزلة إلى حد كبير.

وأخيرا، فإن كاميرا الهواتف الذكية سمحت للفلسطينيين بتوثيق معاناتهم، وأن تشهد على مقاومة وتضحية المواطنين من دون وساطة. هجمات السكاكين المحبطة قد تخيف الغرباء، لكن بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين فإنها باختصار اللحظة التي يستعيد فيها الفرد حقه في الدفاع بالنيابة عن المقهورين والمهانين.

الحاجة إلى كثير من هذه الأوصاف المختلفة لهذه الأحداث تكشف حقيقة مهمة تتعلق بالصراع الفلسطيني وطبيعته غير المنتظمة. وأكملت إسرائيل تقسيم الفلسطينيين إلى جيوب غير منتظمة وتطويقهم.

ولأن الانقسامات بين أبناء الشعب الفلسطيني تعززت جغرافيا وكذلك بين القادة من الناحية السياسية، فإن من الصعب على الفلسطينيين التوصل إلى رؤية موحدة أو مبادئ منظمة. فهل يقاتلون محتلهم في البداية أو قيادتهم؟ إلا أن الافتقار إلى التخطيط والتنظيم أفضى إلى الكشف عن أوجه القصور الإسرائيلية أيضا.

وليس في مقدور إسرائيل فعل الكثير في مواجهة الاحتجاجات ما عدا التدابير قصيرة المدى. فوكالات الاستخبارات لا يمكنها التنبؤ بالمهاجمين المنفردين، وبنادقها لا يمكنها ردع السكاكين، وقوتها العسكرية لا يمكنها التقليل من سعيهم إلى العدالة والكرامة.

إخفاقات موازية

ومن الغريب أنه لقاء كل هذا هناك علامات على إخفاقات موازية للنظام والقيادة على الجانب الإسرائيلي. ومن ذلك جماعات اليهود الغوغائيين التي تقوم بدوريات في القدس والمدن الإسرائيلية وتنادي «الموت للعرب»، وكذلك حالة الجندي الذي شعر بتوتر شديد وتسبب بالفوضى عقب إطلاق النار من بندقيته في عربة قطارات نتيجة إنذار مزيف بوجود حالة إرهاب، وحادثة طعن يهودي لشخص لأنه بدا عربيا. وفي هذه الأوقات أذكى السياسيون وقادة الشرطة حالة الخوف.

والعمال الفلسطينيون باتوا ممنوعين من دخول البلدات اليهودية، وأزالت المحال التجارية الإسرائيلية السكاكين الموجودة فيها. وتعكس بعض هذه الأفعال الهستيرية الشعور بموقف الضحية في أوساط الإسرائيليين، التي تغذيها لقطات فيديو هجمات الطعن بالسكاكين. إلا أن المزاج السائد هذا يعود إلى ما قبل الاضطرابات الحالية. ويعتقد الإسرائيليون أن عليهم أخذ زمام المبادرة.

تطرف

عقب مرور ست سنوات متواصلة لوجود اليمين المتطرف في السلطة، فإن الإسرائيليين لا يلومون سياسة حكومتهم على رد الفعل الذي أثارته. وقد طالبوا بمزيد من القوة تجاه الفلسطينيين.

الحلول طبقت بشكل وحشي في شرقي القدس، حيث يسجن الفلسطينيون بشكل أشد صرامة. وطوقت المدينة بحواجز الطرق، ويتحمل المواطنون المقدسيون إجراءات التفتيش اليومية التي ستولد مزيدا من الغضب والمقاومة.

وقد تنحسر الاضطرابات الحالية، إلا أن موجات أخرى من اضطرابات أعظم ليست بعيدة التحقق. وهناك تحذيرات في إسرائيل من تحول الاضطرابات ببطء من صراع وطني إلى حرب أهلية. وعنف الأسابيع الأخيرة يبدو تحذيرا من المستقبل.