يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إطلاق المفاجآت، والتدخل الروسي العسكري في سوريا، الذي أعقبه لقاء مباشر مع الرئيس السوري بشار الأسد، أدهش العالم.
وعلى غرار ما حدث عقب تدخل روسيا في أوكرانيا العام الماضي، كان هناك الكثير من التعليقات على عبقرية بوتين الاستراتيجية المفترضة. فهو يتحرك بشكل حاسم، ويقتنص الفرص، ويوجد الحقائق على الأرض، وهكذا يمضي السياق في تعارض مع المساعي الغربية العاجزة في سوريا. ولكن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً.
مراجعة السياسات
قبل خمسة أعوام مضت، كانت روسيا في وضع أقوى بكثير، سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى العالم. واليوم، يدافع بوتين عن قراراته التي تقودها نظرية سياسية دولية عفا عليها الزمن.
إدراك أخطاء روسيا، لا يضمن عدم الفشل في المستقبل، فالولايات المتحدة والحلفاء، لا يمكنهم الوقوف مكتوفي الأيدي، وانتظار فشل موسكو. وعوضاً عن ذلك، يجب تبني استراتيجية شاملة لتقليل النتائج السلبية للمواقف الروسية، وزيادة المواقف الإيجابية من جانبنا.
وقبل خمسة أعوام، كانت روسيا تنطلق على مستوى العالم. وفي أوكرانيا عام 2010، دعم الكرملين حليفه فيكتور يانكوفيتش. وفي مكان آخر من دول الاتحاد السوفييتي السابقة، كان قادة روسيا يحققون تقدماً في ما سيعرف باسم الاتحاد الأوروبي الآسيوي الاقتصادي، وهو ردهم على الاتحاد الأوروبي.
وحسنت موسكو أيضاً من علاقاتها مع كل من أوروبا والولايات المتحدة، بل إن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف وقتها حضر لقاء قمة الناتو في لشبونة عام 2010، وتحدث عن تطوير «شراكة استراتيجية»، يمكنها أن تضع «الأوقات العصيبة التي مرت بها العلاقات بين البلدين خلفنا». وكان الموضوع الرئيس للقاء، هو التعاون بشأن الدفاعات الصاروخية، وليس توسع حلف «ناتو».
الاقتصاد الروسي كان يعود إلى النمو بعد الأزمة المالية عام 2008، وكانت التجارة مع الولايات المتحدة آخذة بالتوسع، وكانت هناك روابط أقوى مع الاقتصادات الأوروبية، وروسيا كانت على الطريق، إلى أن تنضم إلى منظمة التجارة العالمية.
تكتيكات سياسية
وفي عام 2010، لعبت روسيا كذلك دوراً أساسياً في فرض عقوبات جديدة على إيران. وبذلك كشفت عن دور دولي جريء، حتى على حساب توتر العلاقات مع حليف مهم. وفي عام 2011، بدأ الشعب بالتدخل.
ولأسباب عديدة، بدأت المجتمعات في العالم العربي وأوكرانيا وروسيا، بالحشد ضد قادتهم. وبداية، وقف الرئيس الروسي إلى جانب الشعوب في الشرق الأوسط..
وبدا ذلك ظاهراً في امتناعه عن التصويت، بدلاً من اعتراضه على قرار مجلس الأمن الدولي، الذي خول استخدام القوة في ليبيا. وانخرط الرئيس ميدفيديف أيضاً مع قادة المعارضة في روسيا، وأدخل إصلاحات سياسية متواضعة، قبل خروجه من الكرملين في مايو عام 2012.
بوتين كان له أسلوب مناقض. وآمن بأن أميركا هي التي تقف وراء هؤلاء المتظاهرين. وأن الرد عليهم، سواء في سوريا أو في مصر أو روسيا أو أوكرانيا، يجب أن يكون بالقوة والإكراه.
وعقب تنصيبه رئيساً، ركز الرئيس بوتين بشدة على المتظاهرين الروس، واصفاً إياهم بالخونة. إلا أن النجاح الذي حققه في المدى القصير، أفضى إلى نتائج على المدى الطويل. الارتياب والشك الكبير الذي أصاب بوتين بشأن الجهات الفاعلة السياسية المستقلة، أفضى إلى بث مخاوف على المصالح التجارية خارج نطاق مصالح النخبة الحاكمة.
واستقر الركود السياسي أيضاً. وعلى مدى السنتين الأوليين من فترة حكمة الثالثة كرئيس لروسيا، انخفضت نسبة الأصوات المؤيدة له إلى نحو 60 %، أي إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق. وغزوه لأوكرانيا فقط، هو ما دعم نسبة التصويت له.
في أوكرانيا، فشلت الحملة على المتظاهرين. وخلال ذلك الوقت، حاول يانكوفيتش القضاء على المظاهرات بالقوة. وخلافاً لما قاله الكرملين، فإن تكتيكات الرجل القوي، أتت بنتائج عكسية وأرغمته على الفرار.

