خلال الأسابيع الأخيرة، قتل نحو 10 إسرائيليين و50 فلسطينياً، وجرح العشرات في سلسلة هجمات ومظاهرات وحوادث طعن بالسكين، الأمر الذي دعا الكثير من المراقبين إلى الاعتقاد بأن انتفاضة ثالثة قد فرضت نفسها على الجميع.

وبينما نراقب بدء هذه الجولة الجديدة من الصراع، فقد يكون من المفيد، النظر في مدى تأثير الانتفاضة على الأحداث الحالية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مع الأخذ ببعض وجهات النظر بعين الاعتبار. وبذلك تتكشف مجموعة حقائق سياسية مزعجة للغاية.

نظرة على التاريخ

الأمر الأساسي واضح، وهو أن العنف متواصل في الأراضي المقدسة لأكثر من ستة عقود. وهذا عمل على الإبقاء على الوضع الحالي وتغيره في الوقت ذاته. وقد لا يكون أداة فعالة لتحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية، أو لضمان أمن إسرائيل.

وعلى الأغلب، ستظل المواجهات أداة دائمة يستخدمها الطرفان. ويستخدم الإسرائيليون العنف كأداة للسيطرة على الفلسطينيين. ويستخدمه الفلسطينيون كسلاح لتذكير إسرائيل بأنهم لا يزالون يطالبون بدولة. وهناك خمس نقاط يجب على كل رجال الشرطة والصحافيين والإسرائيليين والفلسطينيين والمراقبين المهتمين أيضاً مراعاتها، بينما نراقب ما يحدث في القدس وإسرائيل والضفة الغربية.

أولاً: لا شيء يتغير من دون الألم. فالقادة السياسيون يأخذون قرارات حقيقية محفوفة بالمخاطر، عندما تجبرهم الظروف على فعل ذلك. ولهذا السبب، فإن أزمات مثل الحرب والانتفاضة، قد مهدت الطريق لكل تقدم في عملية السلام العربية الإسرائيلية.

وبالنظر إلى التاريخ، نجد أنه من دون حرب عام 1973، ومن دون عبور مصر الناجح لقناة السويس، والتأثير الصادم للحرب على إسرائيل، ما كانت لتبرم اتفاقات فض الاشتباك، ولا تتم زيارة أنور السادات إلى القدس، ولا توقع اتفاقية كامب ديفيد، ولا معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.

ومن دون غزو صدام حسين للكويت عام 1991، وحملة جورج بوش العسكرية لإخراجه منها، ما كان ليعقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.

ومن دون الانتفاضة الأولى التي بدأت عام 1987، واستمرت نحو 6 سنوات ما كان لإسحاق رابين، خامس رئيس للوزراء في إسرائيل، أن يدرك أن من غير الممكن هزيمة الفلسطينيين من خلال القوة العسكرية، ولا قبولهم بالأردن وطناً بديلاً. وهذا تعليق مأساوي على مسألة أن العنف أو الحرب ضروريان لإيجاد فرصة لأي انفراجة دبلوماسية.

مقاربات سياسية

ثانياً: الألم يجب أن يكون مصحوباً باحتمالات الربح. قد تكون الصدمة ضرورية لتحويل الأزمة إلى فرصة، إلا أنها غير كافية. فلو أن الألم هو جل ما نحتاجه، لأبرمت اتفاقية سلام عربية إسرائيلية منذ عقود. إلا أن العوامل السلبية يجب أن تقترن مع المحفزات.

لننظر إلى الأمثلة التالية التي أفضى فيها الألم إلى تحقيق بعض المنجزات. في عام 1979، استعاد الرئيس المصري أنور السادات سيناء، وبدأ علاقة جديدة ومربحة مع الولايات المتحدة.

وأنجز رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن اتفاقية سلام منفصلة مع مصر. وفي عام 1991 في مدريد، عقدت إسرائيل مؤتمراً رمزياً دولياً للسلام، تحول إلى ستار دخان حول المفاوضات المتعددة الأطراف مع سوريا والأردن والفلسطينيين.

ثالثاً: قوة الأقوياء مقابل قوة الضعفاء. عندما يتعلق الأمر بالعنف، فإن الطرف الأضعف، وهم الفلسطينيون، يعانون من الوفيات والإصابات وتدمير سبل العيش.

والضحايا عادة غير متكافئين، بفعل قدرات إسرائيل العسكرية المعقدة، والدعم الأميركي، ولا شيء من هذا يقلل من شأن العنف الذي يعاني منه الإسرائيليون. رابعاً: التقارب يؤمن وضعاً غير مستقر. فالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والعنف المتولد عنه، يختلف عن الصراع الإسرائيلي العربي بطرق عدة.

 وبالنسبة إلى الإسرائيليين والفلسطينيين، فإن القرب يضمن ألا ينشأ الصراع بين فترات متقاربة، رغم أنه مصاحب للوضع الجغرافي. وعندما تكون هناك اتفاقية سلام، فإن هناك عنفاً وإرهاباً، وكذلك عندما لا تكون هناك عملية سلام، فيوجد أيضاً عنف وإرهاب.