حققت نماذج إحلال السلام القديمة فشلاً ذريعاً، وباتت اتفاقيات أوسلو الموقعة عام 1993 لـ«منح الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير» بحكم الميتة عملياً،على حد قول الرئيس الفلسطينيين محمود عباس أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أخيراً. يقتضي التعاون تشابك الأيدي، إلا أن إسرائيل اختارت استعمال يدها الحديدية لضرب الشعب المحتل، وخنق آماله وكرامته.
تم الاعتراف، أخيراً، بفلسطين «كدولة مراقب غير عضو»، وبات علمها يرفرف فوق المقر الرئيس للأمم المتحدة في نيويورك، إلا أن حياة الفلسطينيين أنفسهم هي أسوأ حالاً بكثير مما كانت عليه قبل 22 عاماً، أيام توقيع الاتفاقيات بين كل من رئيس المنظمة الفلسطينية السابق ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق اسحق رابين.
وكان لافتاً للنظر عدم ذكر الرئيس الأميركي باراك أوباما لكلمة «فلسطين» خلال الخطاب الأخير الذي ألقاه أمام الأمم المتحدة، وكلمة نتانياهو الحماسية التي كرسها مبدئياً لتحذير العالم من مخاطر الاتفاق النووي الإيراني، ودعوته مستدركاً عباس لاستئناف المحادثات.
وقال دون التلويح بالسلام مع الدول العربية: «من الواضح أن المخاطر المشتركة تقرب المسافات بين إسرائيل وجيرانها العرب، بما أننا نعمل معاً على التصدي لتلك المخاطر، فإني يحدوني الأمل بأن نبني شراكات دائمة».
ويمكن ولو لمرة واحدة أخذ كلام نتانياهو على أنه يستحق التمحيص والرد، نظراً لرد فعل إسرائيل على ما نقل عن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في حديث له مع وكالة «أسوشييتد برس»، وأفاد أن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، التي بلغت عامها الأربعين يجب أن تتسع لتضم المزيد من الدول العربية، لتوسيع إطار التعاون ضد الإرهاب وضمان بناء الدولة الفلسطينية. وكان نتانياهو، قبل ورود تصحيح من الحكومة لهذا التصريح، قد أثنى على دعوة السيسي، وحض عباس للعودة الفورية إلى طاولة السلام. وانعكست حماسته تلك في جميع الصحف الإسرائيلية، بما وصف بالإقبال الإسرائيلي على تحسين العلاقات مع العرب.
في هذه الحال، وإذا ما أبدت القيادات العربية انفتاحاً على بدايات جديدة، فقد يبرز واقع جيوسياسي جديد يمكن أن يفضي إلى عملية سلام حقيقية بين إسرائيل وفلسطين.
لو اتبع العالم العربي سياسة المساندة، ولم يلجأ إلى التخوين، لكان ممكناً قيام دولةٍ فلسطينية اليوم تضم كل الأراضي التي ضمتها إسرائيل منذ العام 1967، وفقاً للإطار الذي أرسي في معاهدة كامب ديفيد، حيث وافقت إسرائيل على تطبيق القرار 242 بالكامل، والذي ينص على انسحابها من كل الأراضي التي احتلتها في عدوانها الأخير آنذاك.
إلا أن ذلك كان في الماضي، وبتنا نعيش اليوم في ظل واقع مختلف. وبالتالي يجب على القيادات العربية تبني سياسات جديدة. يتطلب الإقدام على هذه الخطوة كماً هائلاً من تغيير طريقة التفكير، لكن لماذا لا يكون هذا ممكناً بعد أن فشلت كل الطرق الأخرى، وتبين أنه ما من جدوى في اتباع المسار القديم عينه. لم يجلب الصراع ولا المفاوضات بوساطةٍ أميركية قيام دولة فلسطين. فهل يمكن للسلام بين إسرائيل والدول العربية أن يكون هو الطريق؟ ليس هناك من حتميات أكيدة، لكن ليس هناك ما يخسره الفلسطينيون من المحاولة.
