بعدما جرت العادة في تركيا أن يقوم الجيش التركي بانقلاب عسكري ضد الحكومات المدنية، أضحى حزب العدالة والتنمية الحاكم مع تشكيل حكومته الأولى بشكل أحادي في العام 2002 أكثر تحرراً في مواجهة المؤسسة العسكرية المدافعة عن علمانية الدولة.
وقد أمّن ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي حجة للنظام للشروع في إقرار إصلاحات تهدف إلى منع المؤسسة العسكرية من التدخل في الشؤون السياسية، على اعتبار أن سيطرة المدنيين على المؤسسات العسكرية هو معيار أساسي من معايير كوبنهاغن التي حدّدها الاتحاد لقبول عضوية أي دولة جديدة.
واعتمادا على قوته الشعبية وترؤسه للحكومة بشكل منفرد، وإجراء إصلاحات داخلية تتماشى مع معايير كوبنهاغن، أقر حزب العدالة والتنمية إصلاحات في العام 2004 حولت مجلس الأمن القومي إلى هيئة استشارية، فلم تعد قراراته إجبارية، كما تم تغيير هوية أمين سرّه من عسكري إلى مدني. إلا أن فقدان الجنرالات قدرتهم القانونية على التدخل في الشؤون السياسية لم ينهِ نفوذهم، فيما كان للأحداث اللاحقة الأثر الأكبر في تحقيق ذلك.
فخلال يونيو 2007، اكتشفت الشرطة التركية أسلحة مخبأة في منزل ضابط تركي متقاعد، فتحولت هذه القضية إلى فضيحة شوهت سمعة الجيش، وأدت إلى اعتقال شبكة كبيرة من الضباط الأتراك بتهمة التحضير لانقلاب على الحكومة.
واندلعت أزمة سياسية بين رئيس الحكومة آنذاك رجب طيب أردوغان وقائد الجيش إسحق كوسينر، أفضت إلى استقالة الأخير ومعه قادة القوات البرية والبحرية والجوية، متهمين الحزب الحاكم بتنفيذ مؤامرة على الجيش، فيما سارعت الحكومة إلى تعيين قادة جدد خلفاً للجنرالات الذين استقالوا عام 2011، ولم تتوانَ بعدها بعدّة شهور عن اعتقال قائد الأركان في الجيش إلكر باشبوغ واتهامه بالانتماء إلى جماعة إرهابية والتخطيط لانقلاب، كما اعتُقل قائد انقلاب العام 1980 كنعان إيفرن.
ومحصلة لذلك، تم اعتقال ومحاكمة 500 عسكري، معظمهم من الرتب العليا، وعشرات الأكاديميين والصحافيين «المتورطين» في مخططي الانقلابين، فيما أعلن أردوغان أن «زمن الانقلابات قد ولّى»، محققا نصرا سياسيا بانقلاب أبيض على المؤسسة العسكرية، وكسر شوكة الجيش، الذي بات جهازاً تنفيذياً بيد الحكومة المدنية منذ العام 2011.