هل بإمكان التدخل العسكري الروسي في سوريا، أن يمهد لاتفاق إقليمي يشبه اتفاق دايتون عام 1995، الذي حقق نهاية الحرب في يوغسلافيا السابقة؟ الحرب البوسنية الصربية الكرواتية، قتلت نحو 100 ألف شخص، وهي الحرب التي أوقدتها القوى الإقليمية والعالمية. واعتبر اتفاق دايتون، اتفاق سلام ناقص، يستند إلى استنزاف طاقة المتصارعين، وجمود الموقف، وليس إلى العدل. إلا أن شروطه حققت استقرار المنطقة، وكرست أعراف حقوق الإنسان، والترتيبات السياسية الانتقالية، وأعادت توطين اللاجئين، وفضلت الوساطة على الحرب.

وأجاب الذين يفسرون مبادرات الرئيس الروسي الساعية إلى إحباط السياسة التي تقودها أميركا في سوريا، والتي تجعل من رحيل الرئيس السوري بشار الأسد شرطاً مسبقاً للمحادثات، بالسلب عن السؤال الذي يتصدر هذا المقال.

مسؤولية واشنطن

الضجة التي تلت عمليات القصف الروسية لأهداف ما يسمى بالمعارضة «المعتدلة» شمالي سوريا، افترضت أن هذا هو دافع بوتين، على الرغم من أن تصنيف هذه المعارضة بالمعتدلة، معروف على نطاق واسع بأنه أمر خيالي، وذلك بالنظر لاستمالتها من قبل جهات متطرفة عدة.

وبنظرة واقعية على الأمور، فإن معظم المعارضة غير المتشددة اليوم، ينظر إليها من قبل القوات الأميركية على أنها تدور في فلك الأكراد السوريين، الذين تم التوصل معهم إلى اتفاق لمواجهة تنظيم «داعش»، الذي يسيطر الآن على مناطق شاسعة في سوريا والعراق.

وفي لقاء مع مجلة «فورين أفيرز»، أقر وزير الدفاع الأميركي، أشتون كارتر، بمسؤولية بلاده عن نمو تنظيم «داعش»، في ظل التركيبة الطائفية للدولة العراقية. وقد طرد الجيش البعثي السني والبيرقراطية الموالية له من السلطة، عقب غزو أميركا للعراق عام 2003، وشكلا العمود الفقري لتنظيم «داعش».

تأطير الصراع

ويعد تأطير الصراع على أنه صراع الأسد ضد تنظيم «داعش»، وتجاهل المعارضة «المعتدلة»، إحدى أعمق الألعاب الجارية في هذه الدراما العسكرية. كم سيستغرق ذلك الأمر من الناحية العسكرية، وهل سيتجاوز التدخل الروسي (عن قصد أو غير قصد)، حدود هدفه السياسي الأولي المحدود، من خلال إدماجه في حرب أوسع؟ كل هذه أمور يلفها الغموض.

ومن خلال تحليل الحوافز المختلفة، والمواقف السياسية في سوريا، يجب أن تؤخذ القوى الإقليمية والعالمية في الحسبان. ويسيطر الأسد اليوم على نحو 20 % من الأراضي السورية، إلا أنه يبدو آمناً في المناطق الساحلية، ويحظى بالتأييد هناك.

تدخلت روسيا في سوريا منذ خمسينيات القرن العشرين، وفي المنطقة منذ زمن أبعد. ويبدو أنها تتخوف من ظهور تنظيم «داعش» في الشيشان، وبالنظر إلى وجود نحو 20 مليون مسلم بين سكانها، ولذلك بادرت باستهداف مجموعات شيشانية شمالي سوريا. وتتخوف أيضاً من انهيار نظام الأسد وانزلاقه إلى الفوضى على غرار ليبيا. ويمكن قراءة التدخل الروسي، على أنه يمنع حدوث ذلك، ويضمن أن الأسد جزء من المرحلة الانتقالية.