لمشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

تبدو فلسطين على مشارف انتفاضة فلسطينية ثالثة، في ظل المواجهات الجارية حالياً، على غرار الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، وفي كل مرة، تندلع الأحداث تدريجياً، لتأخذ الشعب الفلسطيني إلى انتفاضة، وعلى خلفية تراكمات من الإحباط السياسي وسوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وانعدام أي أفق لحل سياسي، فوق الانقسام الفلسطيني على الصعيد الفصائلي والسياسي.

الفلسطينيون في مأزقهم التاريخي استطاعوا عبر بوابة الانتفاضة الأولى فك عقدة هذا المأزق وعبور بوابة أوسلو، فيما الانتفاضة الثانية التي أريد عبرها إجبار إسرائيل على تنفيذ اتفاقات أوسلو لم تؤد إلى نتيجة، وها نحن أمام انتفاضة ثالثة محتملة، ولا أحد يحسم قدرتها على فك عقدة المأزق الفلسطيني أوتعميق هذا المأزق، في ظل عوامل اخرى ابرزها غياب الدعم القومي والعربي لاي انتفاضة جراء سلسلة الازمات المشتعلة في العالم العربي.

معاناة الفلسطينيين باتت كبيرة في ظل انعدام الخيارات، فلا الحرب الشعبية متاحة بهذه البساطة، ولا الحل السلمي، ممكن، ولا الوحدة الفلسطينية متحققة، وكأن انعدام الخيارات بحد ذاته، يدفع إلى مخرج واحد مجهول نهاية المطاف، هذا فوق ضعف جسم منظمة التحرير الفلسطينية كحاضنة للعمل الفلسطيني.

سؤال الغيب الفلسطيني لا يخلو من أخلاقية الدوافع، ويريد أن يستبصر، إذا ما كان الفلسطينيون قادرين على تسييل انتفاضتهم الثالثة إلى منجز بحيث تكون بوابة النجاة ، أم أنها ستزيد من حدة التعقديات، وتنهي كل الخيارات، وتعيد ترسيم المشهد الفلسطيني عربياً وعالمياً بشكل آخر تماماً.

تأتي الانتفاضة الفلسطينية المحتملة بسبب اقتحامات اسرائيل للمسجد الاقصى وسعيها لهدمه او تقسيمه، ويمكن اعتبار المسجد الاقصى رمزا للمرة الثانية للانتفاضة، بعد ان كان تدنيس شارون للمسجد سببا في الانتفاضة الثانية.

تقسيم وانقسام

يعيش الفلسطينيون منذ احتلال فلسطين مخاضاً كبيراً، تجلى بالاحتلال من حيث المبدأ وتداعيات الاحتلال، على واقع الفلسطينيين، من حيث الهجرات وتقسيم فلسطين داخلياً إلى أربع مناطق جغرافية فعلياً، فلسطين المحتلة عام ثمانية وأربعين، والضفة الغربية، والقدس، وغزة.

مع التقسيم الجغرافي، تكرست حالة من التقسيم السياسي على أساس فصائلي، بحيث تتصادم مشروعات سياسية في فلسطين تؤدي في المحصلة إلى استفادة إسرائيل من فروقات الزمن سياسياً بين جميع الفرقاء، وتتداعى الأسئلة هنا، حول تأثير الانقسام الجاري بين الفلسطينيين على وحدتهم أمام الاحتلال، وتأثيره من جهة أخرى على قيمة المطالبات بحل سياسي يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس؟!

يرى محللون أن لا تقسيمات وجدانية بين الفلسطينيين، إذ يجمعهم رابط وجداني واحد في كل مكان في فلسطين والمهاجر، لكن الكلام يبقى عاطفياً أمام عدم قدرة الفصائل الفلسطينية الاساسية على تجاوز خلافاتها، واستفادة اسرائيل من واقع الانقسام الفلسطيني.

الانتفاضة الاولى مثمرة سياسياً

ساعدت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وأدت إلى أوسلو عام 1993، وهكذا تعد الانتفاضة الأولى أنموذجاً باعتبارها كانت وسيلة لإرباك العالم، والاحتلال، وتحولها إلى سيولة سياسية، أخرجت الفلسطينيين من مأزقهم آنذاك.

الانتفاضة الأولى التي انطلقت في الثامن من ديسمبر عام 1987، إثر حادث دعس متعمد نفذته شاحنة إسرائيلية لسيارة يستقلها عمال فلسطينيون من بلدة «جباليا» بقطاع غزة، كانت متوقفة في محطة وقود قرب حاجز «إيرز» بين إسرائيل والقطاع، مما أودى بحياة ركابها الأربعة، وهو ما أشعل الاحتجاجات وعمليات رشق الحجارة ضد مواقع جيش الاحتلال وعرباته شمال قطاع غزة، لتتوسع بعدها رقعة الاحتجاجات لتشمل كل أنحاء الضفة الغربية والقطاع.

استمرت جذوة الانتفاضة مشتعلة وشاملة طيلة اربعة اعوام وحتى عام 1991، ودخول عمليات مسلحة، لم ينفِ طابع الانتفاضة العام بالعصيان المدني والعمل الشعبي من إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة (مولوتوف) وقطع الطرق وإشعال إطارات السيارات.

سرّعت أحداث الانتفاضة الأولى من فتح العواصم الأوروبية أبوابها أمام قيادة منظمة التحرير، التي خاضت خلال الثمانينيات جولات من المفاوضات السرية مع الإسرائيليين برعاية أميركية وأوروبية، قادت في المحصلة إلى إنتاج اتفاقية أوسلو عام 1993. ويرى مراقبون أن السلطة الفلسطينية ذاتها تدين بالفضل للانتفاضة، بأن أنشأت للفلسطينيين أول كيان سياسي معترف به، ومعنى الكلام أن الانتفاضة الأولى كانت سبباً في الخروج من المأزق الفلسطيني نحو مشروع الدولة.

اعادة تموضع في الثانية

يرى مراقبون أن الانتفاضة الثانية التي اندلعت عام 2000 على خلفية دخول شارون إلى المسجد الأقصى، لم تؤد إلى نتائج سياسية على طراز الانتفاضة الأولى ذاته، فقد أدت إلى نتائج صعبة على الفلسطينيين، وأوقعت خسائر فادحة بالاحتلال، لكنها تختلف عن الأولى بكونها لم تؤد إلى كسر الجمود، أو حلحلة المأزق الفلسطيني، مثلما كانت الانتفاضة الأولى.

نهاية عام 1999 ساد شعور عام بالإحباط لدى الفلسطينيين لانتهاء الفترة المقررة لتطبيق الحل النهائي بحسب اتفاقيات أوسلو والشعور بالإحباط بسبب المماطلة وجمود المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بعد مؤتمر قمة كامب ديفيد، وتوضّح محاولة إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة فرض حل على الفلسطينيين بعيداً عن قرارات الشرعية الدولية ، بالإضافة إلى عدم تطبيق إسرائيل للعديد من الجوانب التي تم الاتفاق عليها في أوسلو ، واستمرارهم في سياسة الاغتيالات والاعتقالات والاجتياحات ورفض الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين.

بالإضافة إلى استمرار بناء المستوطنات واستبعاد عودة اللاجئين واستبعاد الانسحاب لحدود يونيو 1967، جعل الفلسطينيين متيقنين بعدم جدوى عملية السلام للوصول إلى تحقيق الاستقلال الوطني، وفي ظل هذا الشعور العام بالإحباط والاحتقان السياسي، قام رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق أرئيل شارون باقتحام المسجد الأقصى وتجول في ساحاته، وقال إن الحرم القدسي سيبقى منطقة إسرائيلية مما أثار استفزاز المصلين الفلسطينيين فاندلعت المواجهات بين المصلين وجنود الاحتلال في ساحات المسجد الأقصى فسقط 7 شهداء وجُرح 250 وأُصيب 13 جندياً إسرائيلياً وكانت هذه بداية أعمال الانتفاضة.

6ملفات

يواجه الفلسطينيون حاليا ستة تحديات أساسية، أولها بمشروع الدولة الفلسطينية ، ثم حصار الفلسطينيين، وثالثها يتعلق بالانقسام السياسي، ورابعها يرتبط بملف القدس والمسجد الأقصى، فيما الخامس يتعلق بملف عملية السلام وفشلها، والتحدي السادس يرتبط بملف الانتفاضة الثالثة المحتملة وكلفتها على الشعب الفلسطيني.

يرى مراقبون هنا أن غياب مخرج النجاة أمر خطير جداً، فحتى المواجهات الدائرة حالياً، قد توظفها إسرائيل من أجل إنهاء عملية السلام، وفقاً لمراقبين، فيما يعتقد متابعون أن الشعب الفلسطيني يتم استدراجه لمواجهة مفتوحة تريدها إسرائيل، وهذا الرأي يثير غضب كثيرين يرون أن من الممكن البناء على الانتفاضة الأولى باعتبارها أدت إلى إرغام إسرائيل على توقيع اتفاقية أوسلو، والقبول بالكينونة الفلسطينية، كما يشير هؤلاء إلى أن الشعب الفلسطيني لم يبق أمامه أي حل، خصوصاً، أن انفجار الغضب يأتي تحت عنوان يتعلق بالدفاع عن المسجد الأقصى تحديداً، وهو الأمر ذاته الذي يظن البعض أن إسرائيل تريده لفرض مخططها تحت وطأة الغضب الفلسطيني من أجل تقسيم المسجد الأقصى، أو إنهاء السلطة الوطنية الفلسطينية.

وينزع كل الخبراء إلى اعتبار أن قاعدة الحل تتعلق أولاً بإنهاء الانقسام الفلسطيني إذ لا يمكن الحديث عن مخرج نجاة للفلسطينيين في ظل الانقسام السياسي، وإذا كانت الانتفاضة الفلسطينية حتى الآن بلا قيادة موحدة فصائلية، فالأرجح أن يجد الفلسطينيون عوامل توحيد مهمة أبرزها ملف القدس، واحتمال انفجار الانتفاضة الثالثة بشكل كامل في كل فلسطين، فيما نقطة الضعف التي تتعلق بالانقسام الفلسطيني تبدو هي ذاتها الحل المفترض داخل فلسطين، ومن دون إنهاء الانقسام، لا يمكن الحديث عن أي أفق فلسطيني.

يبقى السؤال متعلقاً بالمستقبل، وبشأن مصير القضية الفلسطينية في ظل هذه الظروف وقدرة الفلسطينيين على إنهاء مأزقهم وسط عوامل متشابكة وصعبة، وهل ستكون الانتفاضة الثالثة المحتملة سببا في الخروج من المأزق ام تعميقه وزيادة حدته.

توظيفات سياسية

يرى محللون ان الهبة التي نراها حاليا داخل فلسطين والتي قد تتحول الى انتفاضة ثالثة، على مفترق طرق من حيث التوظيفات اذ سوف يسعى الشعب الفلسطيني لتوظيف هذه التحركات من اجل غايات محددة ابرزها حماية المسجد الاقصى والضغط من اجل انتزاع دولة فلسطينية على الواقع، فيما مقابل الشعب الفلسطيني سوف تسعى اسرائيل من اجل توظيف الانتفاضة لاعتبارات معينة يراها المراقبون تتخلص بتشويه سمعة الفلسطينيين في العالم باعتبارهم يمارسون الارهاب، ومن اجل الانقضاض على معاهدة اوسلو وبقية الاتفاقيات، بالاضافة الى الاستفراد بالمسجد الاقصى وتنفيذ مخطط التقسيم بشكل اجباري.

بين التوظيفات يأتي سؤال مهم حول قدرة كل طرف على فرض اولويته، فالشعب الفلسطيني يعاني اشد المعاناة، وهو ايضا لايجد قبولا رسميا من قيادته لانطلاق انتفاضة ثالثة في ظل هذه الظروف، ووفقا لمعلومات مؤكدة فأن كل الاتصالات الدوللية والعربية مع القيادة الفلسطينية تحثها على احتواء هذه التحركات وعدم السماح باندلاع انتفاضضة ثالثة في ظل هذه الظروف التي تعاني فيها كل دول المنطقة من انهيارات شاملة تجعل الملف الفلسطيني متضررا بشكل او اخر.

ويقول محللون ان الايام القليلة المقبلة ستكون حاسمة بشأن هذه المواجهات، خصوصا، ان اغلب الذين يخرجون لمواجهة الاحتلال لاينتمون اساسا لاي تنظيمات قادرة على التحكم بحركتهم، وهذا هو الجيل الذي ولد بعد اوسلو ولم يذق اي طعم للسلام، فيما تستفزه اسرائيل للعودة الى المواجهة.

رؤية غربية

تساءلت صحيفة ذي إندبندنت البريطانية عن معنى الانتفاضة وعن تداعيات الانتفاضة الفلسطينية الثالثة على المستوى الإقليمي، وأشارت إلى أن قيادات فلسطينية اعلنت عن انطلاق الانتفاضة الثالثة في الضفة الغربية.وأضافت الصحيفة أن مفهوم الانتفاضة يعني محاولة الفلسطينيين زعزعة استقرار اسرائيل من أجل نيل الاستقلال، وأشارت إلى أن الانتفاضة الأولى انطلقت في 1987 واتسمت بقيام شباب فلسطينيين برمي القوات الإسرائيلية بالحجارة، ورد الإسرائيليون بالرصاص.

وكتبت صحيفة تايمز في افتتاحيتها أنه يجب عدم السماح للخلافات حول البلدة القديمة -في إشارة إلى القدس الشرقية- بإشعال انتفاضة ثالثة، وأن الاتفاق الذي أبرم حول هذا المكان قبل نحو نصف قرن يجب أن لا يُعرض للخطر.

وفي صحيفة ديلي تلغراف، كتب ديفد بلير أن أعمال العنف الأخيرة في القدس تظهر كيف غيّر "أعداء إسرائيل" تكتيكاتهم، حيث يقوم المهاجمون الآن بهجمات من النوع الذي يسهل تنفيذها كما يستحيل منعها.

الانقسام بين غزة ورام الله

برغم تدخل دول عربية كبيرة في الصراع الفلسطيني لتحقيق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية الا ان كل المحاولات باءت بالفشل في ظل تحوصل حماس في غزة، وفتح في الضفة الغربية، وسط اشكالات كبيرة تتعلق بتشكيل الحكومة الفلسطينية، واطلاق سراح سجناء فتح لدى حماس، وسجناء حماس لدى السلطة الوطنية الفلسطينية. يرى مراقبون ان المشكلة الحقيقية تكمن في وجود مشروعين فلسطينيين احدهما لحماس، والاخر للسلطة، وصدام المشروعين ادى الى نتائج كارثية، بحيث بات الشعب الفلسطيني يرزح تحت وطأة خلاف الفصائل، والاحتلال الذي يستفيد من هذا الانقسام.

فيدرالية فلسطينية إسرائيلية

اقترح الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفيلين لحل المأزق الفلسطيني الاسرائيلي إقامة اتحاد فيدرالي إسرائيلي فلسطيني لحل الصراع .

وعرض ريفيلين في مقابلة سابقة مع صحيفة «يديعوت أحرونو ت» رؤيته لتسوية الصراع مع الفلسطينيين والتي تتمثل في «إقامة اتحاد فيدرالي إسرائيلي فسطيني دون حدود».

وأضاف «لا أرى أي إمكانية لتحقيق السلام إذا لم تكن هناك حدود مفتوحة بيننا وبين جيراننا».

وعن تردي العلاقات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والرئيس الأميركي باراك أوباما، قال ريفيلين «أعتقد أن لديهما السمات الشخصية نفسها وأن بإمكانهما إثارة الإحباط في نفس كل منهما الآخر، ولكن الأمر غير الجيد أن يأتي الإحباط على حساب العلاقات الأميركية الإسرائيلية».

الحل في المصالحة فقط

وفقاً لرأي القيادي الفلسطيني بلال الحسن فإنه لا بد من الاعتراف بفشل السياسة الفلسطينية، سياسة التفاوض، واحتمال الفشل أيضاً للسياسة البديلة ويرى الحسن أن الحل يكمن في الاعتراف بالواقع المر كما هو، وهو واقع يقول إنه لا يمكن إنتاج حل سياسي، عبر أميركا، أو عبر التفاوض مع «إسرائيل»، وأنه لا بد من انتهاج سياسة الضغط على أميركا وعلى إسرائيل، ولا يكون ذلك إلا باعتماد سياسة المقاومة، مقاومة الاحتلال بالقوة المسلحة.

ويرى الحسن ضرورة التوجه نحو العمل الجاد من أجل إنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية، بل مع جميع القوى الوطنية الفلسطينية، وإن السعي لإنجاز وحدة وطنية فلسطينية، لا يمكن اختصاره بحوارات بين الفصائل، إذ بعد التفكك الذي طرأ على الساحة الفلسطينية، استراتيجياً وسياسياً وشعبياً، أصبحت الحاجة ملحة لتشاور فلسطيني أوسع، تأتي إليه كل الفصائل، وكل القوى السياسية، وكل الشخصيات ذات الوزن السياسي والفكري والاجتماعي، الشخصيات التي تمثل القوى الاجتماعية، من داخل المخيمات الفلسطينية، ومن داخل كل التجمعات الفلسطينية فوق أرض الوطن وخارجه.

وبهدف القيام بعملية مراجعة شاملة، لكل ما جرى، ولكل ما يمكن أن يجري، من أجل استنباط خطة فلسطينية جديدة، تستقطب الشارع الفلسطيني، وتقيم الوحدة في الشارع الفلسطيني، باعتبارها وحدة الشعب لا وحدة فصائل بعينها فقط.