يطرح التحرك العسكري الروسي في سوريا، على الرغم من زيادته لتدويل الصراع، فرصاً وتغيرات كذلك، حيث لا حلول بسيطة لهذه الحرب الفظيعة التي دمرت البلاد. فأربعة ملايين سوري من أصل 22 مليوناً، هم في عداد اللاجئين، في حين أن سبعة ملايين آخرين أصبحوا نازحين.

قمت بزيارة، أخيراً، إلى مناطق شمال شرقي سوريا، الواقعة تحت سيطرة الأكراد، حيث بلدة عين العرب المدمرة، أشبه بستالينغراد بعد الحرب. إلا أن اللافت للانتباه، أنه حتى في البلدات والقرى التي أخرجت منها قوات «داعش»، لا يزال الناس خائفين من العودة.

ولا يخطئ السوريون في الشعور بالخوف، لأنهم يدركون أن ما يحصل على أرض المعركة اليوم، سيحصد رداً غداً. وتشكل الحرب، في هذه المرحلة، مزيجاً ساماً من عشرات المواجهات والأزمات، أبطالها لاعبون من داخل البلاد وخارجها. وتضع الصراعات المتداخلة على السلطة، الرئيس السوري بشار الأسد، بمواجهة انتفاضة شعبية، والشيعة بمواجهة السنة، والأكراد ضد العرب والأتراك، و«داعش» ضد الجميع، وأميركا ضد روسيا.

وتكمن إحدى المشكلات المسؤولة عن حل الأزمة، أو التخفيف من حدتها، في أن أولئك اللاعبين المهتمين بمصالحهم الذاتية، يمتلكون من القوة ما يكفي لخوض حروبهم في بلدان أخرى، إلا أنهم أضعف من التغلب على خصومهم. ولهذا السبب، يمكن لتدخل موسكو، أن يكون له تأثير إيجابي، فروسيا على الأقل عدو مرّ وقوي، قادر على صياغة شكل الأحداث، من خلال تحركاته الخاصة، وتأثيره القوي في سلوك حلفائه والجهات الموكلة من قبله.

وفي جميع الأحوال، من الأفضل أن تكون روسيا في قلب المعركة، وليس على الهامش، لتحظى بفرصة استعادة السيطرة على وضع خرج عن السيطرة منذ زمن. ويمكن لروسيا إبقاء الأسد في السلطة، إلا أن القوة التي تخولها إبقاءه، تمكنها أيضاً من تعديل مواقفه ودفعه نحو تقليص مستوى العنف، وفرض وقف إطلاق النار، ومشاركة السلطة إقليمياً.

لا يمكن إعادة إحلال السلام في سوريا والعراق، إلا بدحر «داعش»، وهذا أمر لا يحصل، حيث لم تنجح الحملة الجوية بقيادة أميركا، وما زال التنظيم متحصناً في معاقله، على امتداد المناطق السورية والعراقية والكردية، أو آخذ بالتوسع.

الدخول في حرب ضد «داعش»، يعني دعم، أو على الأقل، التحدث مع القوى التي تحارب قوات التنظيم على الأرض. فالخصم الأبرز والأقوى لـ «داعش» في سوريا، على سبيل المثال، هم الأكراد السوريون. وقد صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أخيراً، بأنه لن يقبل مطلقاً بتقدم أولئك الأكراد غرباً عبر الفرات، والسيطرة على آخر معاقل «داعش» على الحدود مع تركيا. إلا أنه لا يزال غير واضح ما إذا كانت أميركا ستدعم جوياً حلفاءها الأكراد، وتمارس ضغطاً على تركيا لدخول شمالي سوريا.

ولا بد للإيرانيين والروس من الدخول في محادثات حول مستقبل سوريا، شريطة الإصرار على أن يقترن بقاء الأسد في السلطة، بوقف القصف والبراميل المتفجرة على المناطق المدنية المعادية.

ولا بد لكل تلك المعطيات، من أن تحدث على نحو متزامن، لأن المشكلة هي أن الأزمات جاءت متلاحقة، الواحدة بعد الأخرى. والقوى الإقليمية، مثل تركيا ودول أخرى، تستطيع السيطرة تماماً على قواتها المحلية المحاربة بالوكالة، إلا أنها لا تكترث مطلقاً بدمار سوريا، ولا تحلم إلا بالنصر النهائي، ولن يرغمها على القبول بالتسويات، إلا واشنطن وموسكو.

لا بد لأميركا وروسيا من المزيد من الانخراط الكامل في الحرب السورية، لأنهما إذا لم تفعلا ذلك، فإن الفراغ الذي تتركانه، ستملأه القوى الإقليمية بأجنداتها الطائفية والإثنية. ويمكن لبريطانيا أن تلعب دوراً إيجابياً هنا، فقط إذا تمكنت من الكفّ عن الادعاء بإعادة تصنيف المتشددين على أنهم معتدلون.

يعتمد إنهاء الحرب في سوريا، على إقناع أطراف الصراع بعدم إمكانية تحقيق الفوز، إلا أنه يمكنهم البقاء والحصول على جزء مما يريدون. قد لا تكون أميركا وروسيا القوتين اللتين كانتا عليه يوماً، إلا أنهما تملكان القوة الكافية لعقد مثل هذا النوع من الاتفاقيات.