في صعود المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى سدة الحكم ملامح من ماضي ألمانيا وحاضرها، قد لا تبدو واضحة للعيان للوهلة الأولى، ويمكن القول إنه في السمات الشخصية لهذه المرأة لناحية هدوئها وحذرها وتواضعها وتكتمها وحزمها، والنغمة المنخفضة لصوتها وقدرتها على ضبط النفس، ما يوحي بظلال إرهاصات دولة تحاول بعناية تحسس طريق صعودها وضبط إيقاع تحولها مجددا إلى قوة كبرى، وتبدو الأجواء العادية التي تشيعها ميركل من حولها كما لو أنها تشي للآخرين بأن ألمانيا المنبعثة من جديد متصالحة مع ماضيها وأنها أقل تهديدا سواء لمشاعر الألمان أو لمشاعر جيرانهم الذين يراقبون كل حركة تصدر عن تلك الدولة التي كان لها النصيب الأكبر من مآسي القرن العشرين.
شكّل صعود ميركل السريع إلى سدة الحكم مفاجأة بالفعل، فهي من خارج الطاقم السياسي الألماني التقليدي، ولم يسبق لها ممارسة العمل السياسي العلني قبل تسعينات القرن الماضي وكانت حينها في منتصف الثلاثينات من عمرها، غير أنها تمكنت من جعل السياسيين الأقدم عهدا والأكثر خبرة في السياسة الألمانية، وجلهم من الرجال الواثقين من أنفسهم، يدفعون ثمناً باهظاً للتبخيس من شأنها.
وقد جعلها هذا موضع اهتمام المؤرخين الذين شرعوا في كتابة سيرتها الذاتية محاولين سبر غور عالمة الفيزياء الآتية من ألمانيا الشرقية التي لا تزال تحظى بشعبية واسعة في بلادها على الرغم من مرور عشر سنوات على وجودها في السلطة.
لمحة سريعة
تولت المستشارية منذ عام 2005، وتمكنت من الفوز للمرة الثالثة على التوالي عام 2013 دون منازع، والائتلاف الحاكم الذي تتزعمه يحتل حالياً 80% من مقاعد البرلمان الاتحادي »بوندستاغ«، وقد أصبحت أحد اللاعبين الأقوياء على المسرحين الأوروبي والعالمي أخيرا، متجاوزة بذلك ما حققته رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر.
وهي لم تقض على منافسيها داخل الحزب المسيحي الديمقراطي فحسب، بل أحكمت سيطرتها على البرلمان، ويقول المحللون إنها تمكنت من القيام بذلك عبر مصادرة السياسات الأكثر شعبية لأكبر حزب معارض، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، كما قطفت ثمار سياسات المستشار السابق غيرهارد شرويدر وإصلاحاته في العمالة وسياسات الرعاية التي جعلت ألمانيا أكثر تنافسية. وألمانيا حالياً باقتصاد قوي ولا تزال تحافظ على طبقة وسطى مؤثرة رغم زيادة التفاوت الاجتماعي.
هي نفسها لا تصدق ما حققته، وقد أعربت عن ذلك بالقول: »هل يمكنكم تصديق هذا« »أنا هنا المستشارة! ماذا أفعل هنا؟ عندما كنت في ألمانيا الشرقية، كنا نتصور الرأسماليين بمعاطف طويلة وقبعات عالية وسيجار وأقدام كبيرة مثل الصور المتحركة. وأنا هنا الآن، وعليهم الاستماع لي«!
يرى فيها جورج باكر في تقرير نشرته مجلة نيويوركر، الشخص المناسب تماما لفترة ما بعد توحيد ألمانيا، أي الفترة التي وصفها المؤرخ فريتز ستيرن بـ»فرصة ألمانيا الثانية« لتصبح القوة البارزة في أوروبا بعد كوارث القرن الماضي عندما أدى الخطاب العاطفي والمتعالي إلى دمار شامل، ويجد في توازنها وغياب الأنا الواضحة في شخصيتها عناصر قوة سياسية في قارة حيث الخوف من ألمانيا لا يزال موجودا.
مساعدوها، من جهتهم، لا يعجبهم وصفها بالمرأة الأقوى في العالم، فهذا برأيهم للاستهلاك الإعلامي، ويقولون إن الألمان بعد مرور 25 عاما من سقوط جدار برلين، يرفضون فكرة القوة لأن هذا يفترض مسؤولية على مستوى العالم هم ليسوا مستعدين لها.
بروز ألمانيا
غير أن تطورات الأحداث التي عصفت بالعالم على مدى العقد الماضي، سواء أزمة اليورو ونمو الاقتصاد الألماني، أو أزمة أوكرانيا واستعادة أجواء الحرب الباردة على حدود روسيا، أو أزمة المهاجرين على أبواب جنوب أوروبا وغيرها من القضايا، كانت تدفع بألمانيا قدما إلى الصدارة أوروبيا وعالميا، ويقول المحللون إن»الأوروبيين الذين أرادوا ألمانيا مقيدة تاريخيا، باتوا يتوقعون منها أن تلعب دورا قياديا في تشكيل أوروبا أكثر فاعلية«.
وفجأة أصبحت البلاد مطالبة بإنقاذ العملة الأوروبية وغيرها من القضايا الكبرى، فيما تبدو مشكلة ألمانيا وفقاً لوزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر، أنها أكثر قوة من أوروبا وأضعف من العالم لتأخذ موقعها المناسب في السياسة العالمية.
وقد وقع على أكتاف المستشارة ميركل معالجة هذا كله، فتعاملت بأكثر من وجه مع تلك المستجدات، بحزم وقلب بارد مع أزمة الديون الأوروبية، وبتعاطف مع أزمة اللاجئين بدعوة الأوروبيين لاستقبالهم، وبصبر ورباطة جأش مع أزمة أوكرانيا، متبعة سياسة بدت أنها تمسك العصا من الوسط بين مصالح ألمانيا الإقتصادية وأهواء الرأي العام الألماني الذي قلّما حادت عنه ميركل في توجيه أفعالها وفقا للمحللين، رغم سقوط هذه الفرضية في تعاملها مع أزمة اللاجئين أخيراً. ومجلة »دير شبيغل« الألمانية أفادت أن ميركل أجرت 600 استطلاع سري لتبيان مشاعر الناخبين الألمان بين الأعوام 2009 و2013.
ماما الصارمة
يرى المحللون أنه قد يكون هناك شيء محسوب في الصورة التي تظهرها ميركل أمام الملأ، فهي حذرة في عدم إظهار أي ادعاء أو غرور. والمصورة هوليند كوبل التي دأبت على التقاط صورها طوال عقد من الزمن، تقول إن صور ميركل، على عكس غيرها من كبار السياسيين، لم تتغير والمستشارة »لم يظهر عليها ملامح غرور مثل كثير من الرجال، وهنا تكمن قوتها«. وقد كتب السياسي المحافظ مايكل غلوس عام 2004 »انتبهوا التواضع يمكن أن يكون سلاحاً!« ويؤكد عدد من المحللين أن شعبيتها في ألمانيا أساسه شخصية ميركل نفسها، ليس أزمة اليورو ولا تاريخ ألمانيا.
فهذه الفيزيائية متوسطة العمر من دون أولاد ومن خلفية بروتستانتية أقنعت المحافظين من بافاريا الكاثوليكية والنساء العاملات من المناطق الصناعية القديمة لألمانيا الغربية والمثقفين في برلين بانها افضل ممثلة لمصالحهم. يسمونها الألمان »موتي«أو»الماما الصارمة«، وتصرفاتها تعطي الانطباع بأنها ترغب في سماع ما لديك لتقوله وأنها ستهتم بك يقول المحللون، وقد يكون الضعف البدني لميركل مجتمعا مع هذا الالتباس العاطفي، جعلا من الصعوبة الانتباه إلى قوتها الكامنة.
تبدو شخصية مهادنة ومرنة من أقوالها، وقد أفادت في إحدى المقابلات بشأن حساباتها في ألمانيا الشرقية: »قررت انه إذا اصبح النظام رهيباً، فإنني سأضطر إلى محاولة الهرب، لكن إذا لم يكن سيئا جدا فإنني لن أسير بحياتي عكس النظام، لأنني كنت خائفة من التعرض للاذى«، وهي تصرفت بطريقة بحيث لا تضطر لأن تعيش في صراع مستمر مع الدولة.
وحافظت ميركل على بساطة حياتها وقربها من طريقة حياة الألمان طوال فترة حكمها. فهي تعيش في وسط برلين مع زوجها في شقة مستأجرة يحرسها شرطي واحد في الخارج. وفي مكتبها تعمل على طاولة عادية وتفضلها على الخشبة السوداء التي وضعها شرويدر في نهاية الغرفة. ويقول مساعدوها إنهم يمكنهم الاتصال بها الساعة الواحدة ليلا.
يصف مزاجها الوزير السابق وحاكم هامبورغ كلاوس فون داناني بـ»الإسكندنافي«، وسلوكها غير المنفر قد يكون أسلوب القيادة المفضل للجمهور الألماني الذي يرغب في التنعم بالاستقرار والأمن والنمو الاقتصادي، مفضلاً حياة هادئة ومنعمة لا تنغصها المشكلات العويصة للعالم، وميركل تبدو أنها تهتم بالأمر وفق ما يريد رغم أنها كانت تسير عكس التيار السائد في أزمة اللاجئين. يقول الوزير السابق يوشكا فيشر معلقا على ذلك إن ألمانيا بقيادة ميركل عادت إلى فترة »بايدماير«، عندما كانت أوروبا الوسطى في سلام، وتركيز الطبقة الوسطى منصب على مراكمة ثرواتها مضيفا:»إنها تحكم ألمانيا في فترة حيث تشرق الشمس كل يوم، وهذا حلم كل سياسي منتخب ديمقراطيا«، لكن إجماعاً سياسياً قائماً على نجاح اقتصادي ومواطنين راضين وصحافة راضخة وزعيم شعبي لا يحيد إلا نادرا عن الرأي العام، يجعل بعض الألمان المثقفين غير مرتاحين إلى أوضاع الديمقراطية في عهدها.
وميركل تبدو كماكينة بيروقراطية باردة ومتحفظة على نقيص قدامى الحزب المتمرسين في الخطابة، فخطاباتها مكتوبة بلغة المجلات العلمية لا تتحدث عن أحلام ورؤى، لكنها أظهرت أن لديها خططاً فيما يتعلق بمستقبل ألمانيا وأوروبا أخيراً ولذا يبدو مبالغاً به وصف مسؤول كبير سياستها كالآتي:»لا يوجد لديها مشروع أو فكرة، مجرد تعرجات من الحركات الذكية«، وهو بنفسه أضاف: »ستقول إن الأوقات غير مؤاتية لرؤى كبرى«.
أسلوبها كان عبارة عن تراكم بطيء حذر. وهذا الحذر عرضها لانتقادات حيث قيل إن الاتحاد الأوروبي دفع ثمنا باهظا لترددها، ليس اقله لأنها أطالت أزمة منطقة اليورو اكثر مما يجب، لكن فوزها أكد إعجاب الألمان بنهجها البطيء والمتردد تجاه أوروبا.
كسبت من طفولتها في ألمانيا الشرقية الانضباط وقوة الإرادة والتكتم، وهذه كانت مفيدة لها كثيرا. فهي تحكم بصمت وفقا لكاتب سيرتها ومراسل دير شبيغل دجيرك كوربجويوات، مضيفا إنه ليس هناك ما هو أفضل في الكلمات الغامضة لانغيلا ميركل في الحكم. ويقول عضو البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر الذي ترعرع في ألمانيا الشرقية ورنر شولز:»السرية التي تحيط بها هي إرث جمهورية ألمانيا الشرقية.
ففي تلك الأوقات، كان عليك الحذر في الجهر بآرائك من دون التفكير أولا، وحتى اليوم لا يعلم عدد من الناس بما تفكر به حقا«. أسلوبها البراغماتي قائم على تصحيحات صغيرة قائمة على الظروف المتغيرة.
ويقول حاكم نيو براندبورغ بول كروغر من ألمانيا الشرقية إنه بعد الانهيار السريع والتام:»كان علينا تعلم براغماتية العصر، ولم يكن هناك وقت للفلسفة«. ويؤكد الكاتب في صحيفة »غارديان« ستيفان كورنيلوس أن صبرها إلى جانب مهاراتها التفاوضية، شكلت أسلحتها. فهي مساجلة غير أيديولوجية تريد أن تقنع من هو أمامها لا أن تهزمه. ويشير إلى أن مرونتها حققت لها أول نجاح سياسي بإنقاذ مباحثات المناخ في بون الذي فسح المجال لبروتوكول كيوتو.
يتهمها البعض بأنها تفتقر إلى الكاريزما، لكن وفقا لصحيفة »واشنطن بوست« ليس للأمر أهمية في ظل نظام قائم على الانتخاب غير المباشر، لكنها تعتبر مناورة ذكية وغالبا ما اتهمت بالانتهازية، في القفز في اللحظة الأخيرة على أي قطار يمضي في الاتجاه الذي يتمتع بشعبية.
يؤخذ عليها أنها صعدت في سلم مراتب الحزب بدعم من المستشار الألماني هلموت كول، وقد انقضت عليه عندما حانت الفرصة لها بعد تورط الحزب بفضيحة مالية، وكتبت: »على الحزب أن يتعلم السير الأن ويتجرأ على الانخراط في معارك مستقبلية مع خصومه السياسيين من دون حصانه الحربي القديم«، كما أنها في منعطف هام من حياتها السياسية عام 2002، عندما وجدت أنها على وشك خسارة تصويت الحزب، التقت بخصمها ادموند ستويبر وأبلغته انسحابها من السباق، في خطوة ذكية تفادت فيها خسارة تدمير مستقبلها السياسي، وقد خسر ستويبر الانتخابات أمام شرويدر في تلك السنة.
الحرية والقومية
قد تبدو مواقفها ملتبسة وشخصيتها باردة متحفظة، لكن يبقى هناك مواضيع تثير حساسيتها، ويذكر زميلها الباحث في أكاديمية العلوم في ألمانيا الشرقية إنها في عام 1985 كانت متأثرة جدا بخطاب رئيس ألمانيا الغربية السابق ريتشارد فون واسياكر الذي يعرب فيه أن الألمان من خلال مواجهة ماضيهم يمكنهم إعادة تحديد هويتهم ومستقبلهم، وهو يرى أنها تكن: »مشاعر محددة لألمانيا كوطن وتاريخ وثقافة«، لكنها مشاعر تندمج مع تقدير كبير لمفهوم الحرية، تقول عنها زعيمة حزب الخضر:»ليس هناك مشاعر كثيرة تجد نفسها فيها، لكن الحرية مهمة جدا لها، وكل شيء آخر قابل للتفاوض«.
ويذكر كوربجويوات أنه عندما كانت المصارف الأيرلندية على وشك الانهيار أوضحت: »أن ألمانيا تهتم بألمانيا ومصالحها أولا، ثم يأتي الآخرون«. ويضيف إنه »تجمد« بمثل هذه النغمة القومية من زعيم ألماني على قضية أوروبية.
لكن يقول المعلقون إنها حساسة جدا تجاه أي شيء يلمح إلى تاريخ ألمانيا الأسود. وبعد أن رسمت في اليونان بشوارب هتلر حاولت استبدال وجه التقشف بوجه أكثر لطفا، تحدثت إيجابا عن استقبال المهاجرين، والبعض أرجع الأمر لأسباب براغماتية تعود إلى مشكلة ديمغرافية خطيرة تعاني منها ألمانيا وتشكل هوسا لميركل التي ما فتئت تكرر أن القارة تزداد تقادما في السن ولا يمكنها مراكمة ديون، والهجرة فرصة لأجيال المستقبل.
وكان الانتقاد الأشد لها استجابتها المتأخرة ضد الهجوم الذي شنته جماعات نازية على مخيم للجوء أخيرا، لكن ميركل البطيئة في ردودها عادت وتصدت للعنصرية بحزم، لا سيما لما تمثله من صدى للماضي النازي لألمانيا.
تحديات بارزة
ثلاثة تحديات بارزة واجهتها خلال وجودها في المنصب، أزمة اليورو وأوكرانيا والهجرة، وتعاملها مع هذه التحديات أظهر أكثر من وجه لميركل وعكس تزايد قوة ألمانيا في القارة الأوروبية والإرباك الذي ما زال يعيشه المشروع الأوروبي. أزمة اليورو شكلت التحدي الأصعب لها، وتحت الضغوط من قادة أوروبا وأوباما أبرمت خطة لمنع تعثر الديون السيادية اليونانية، وأعلنت انه إذا سقط اليورو سقطت أوروبا، وتم الإنقاذ على حساب سياسات التقشف. وميركل ظهرت كسياسي غير مساوم بالنسبة للألمان ومتزمت بالنسبة لأوروبا، وبسببها أصبحت موضوع كراهية وإعجاب.
في أزمة أوكرانيا نسقت مع الولايات المتحدة، وأجبرت على المناورة. يقول المحللون إنه كان عليها إبقاء تحالفها في البوندستاغ، والبقاء قريبة من أوروبا و27 قادة آخرين وفهم الحدود المقيدة لكل منهم.
كما كان عليها إبقاء القنوات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رغم استفزازاته لها، فهي تمثل المحاور الأول لبوتين في الغرب، ولم تكن سياسة ألمانيا عزل روسيا ذلك أن البلدين مرتبطان بمصالح. قالت أمام طلبة في المتحف التاريخي الألماني: »مع روسيا الآن، عندما أشعر بالغضب أجبر نفسي على التحدث بمعزل عن أحاسيسي، وفي كل مرة أفعل ذلك، أفاجأ كم هي الآراء التي يمكن أن تكون لدي على قضية أجدها واضحة تماما.
ثم أتعامل مع تلك الأفكار، وهذه يمكن أن تثير شيئا جديدا«. بعد ضم القرم، أفيد أنها قالت للرئيس الأميركي باراك أوباما إن بوتين يعيش »في عالم آخر«، وإنها تعمل على إعادته إلى الواقع. في احتفالات النورماندي خطفت الأنظار، وعلق كوربجويوات:»كان مذهلا رؤية كل الفائزين بالحرب العالمية الثانية، وهي الزعيمة والجميع يريد أن يتحدث إليها! كان الأمر غريبا جدا، وهذا كان ممكنا اعتقد لأن ميركل لطيفة جدا وهادئة«.
إرث ميركل
كيفية معالجة ميركل للمسؤولية الملقاة على ألمانيا سيحدد إرثها: هل بإمكانها أن تقود ألمانيا بسلام الى مكانها الجديد في العالم من دون أن تدمر الاتحاد الأوروبي أو توقظ الأشباح القديمة؟ والسيناريو لم يكتمل بعد. أما السؤال الأهم هو ما إذا كانت ستترشح لولاية رابعة في 2017، أشارت إلى أنها سوف تترشح بعد استطلاع للرأي أشار إلى أن حزبها سيكسب الأغلبية في البرلمان. لكن أحد المطلعين قال إنها لا تريد أن تخسر الانتخابات، وتفضل إيجاد طريقة لنقل المهمة إلى خلف تختاره، لكن مع استمرار شعبيتها في الصعود، فإن تنحيها قد يكف عن أن يكون خيارا لها.
القومية النائمة سمة محددة لحقبة المستشارة الألمانية
يقول المحللون إن التعاطي المتشدد للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مع اليونانيين في أزمة اليورو، والأفكار التي روجتها في باقي القارة، كما لو أن البخل والانضباط يشكلان مهمة ألمانيا الصاعدة تجاه بلدان غير مسؤولة ومسرفة، هو ما سمح لوسائل الإعلام الغربية في تصوير اليونانيين ككسالى، وعدم تصديها لهذه الدعاية دفع اليونانيون الى تصويرها بشارب هتلر.
ويعتقد الصحافي البريطاني جوناثان فريدلاند من صحيفة "غارديان" أن الألمان أمضوا عقودا يفكرون بماضيهم بطريقة قلة من البلدان ضاهتهم في ذلك، لكن يبقى هناك تخوف من عودة المشاعر القومية وانبعاث الشوفينية كما تجلى أخيرا بالهجوم الذي تعرض له المسلمون في أحد مراكز اللجوء في درسدن، وينبع هذا التخوف من واقع أن شباب اليوم لديه اهتمام ضئيل بحقبة النازية، وأن الجنود الألمان يحاربون في أفغانستان، والاعتزاز الألماني لم يضمحل وعلى استعداد للاحتفاء ببراعته الاقتصادية وكنزه الثقافي. وهذا السبات الغامض للمشاعر القومية يترك انطباعا بأنه سمة محددة لحقبة ميركل.
ويقول جورج باكر من مجلة "نيويوركر" إن التزام ميركل بأوروبا شكل نوعا ناعما من النزعة القومية تعكس الثقة المتزايدة للبلاد وقوتها، لكن البعض غير مرتاح لكون ألمانيا قوية فيما أوروبا ضعيفة.
فضائح مدوية طرقت أبواب ألمانيا في عهدها
هزت ألمانيا في عهدها عدد من الفضائح، كان آخرها فضيحة »فولكس فاغن« حيث زعم نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الخضر اوليفر كريشر أن حكومة ميركل اعترفت بعلمها ببرنامج الغش في اختبارات »فولكس فاغن«في استجواب برلماني يوليو الماضي.
ويقول المعلقون إن موقف ميركل تغير منذ أن كانت وزيرة للبيئة في أولى حياتها السياسية. في 2009، قبل ترشحها لولاية ثانية أشرفت على عملية إنقاذ لـ«اوبل»ضد نصيحة وزير الاقتصاد. وبعد اربع سنوات، ضغطت حكومتها لتسهيل قواعد أوروبية بشأن انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون التي عارضتها«ديملر»و«بي ام دوبليو». وقالت ميركل حينها:«أعتقد أننا بحاجة أن نضمن انه في اندفاعنا لحماية البيئة لا نسبب ضررا لقاعدتنا الصناعية». وحصل حزبها بعد فوزها بولاية ثالثة على تبرعات بقيمة 690 الف يورو من العائلة التي تسيطر على«بي ام دوبليو".
وفي فضيحة مدوية أخرى، أفادت وسائل الإعلام أن حكومة ميركل كانت على علم بشان قيام وكالة الاستخبارات الألمانية في الخارج بجمع معلومات عن شركات أوروبية والتجسس على قادة فرنسا والمفوضية الأوروبية بناء على طلب وكالة الأمن القومي الأميركي. ويواجه حاليا أحد حلفائها توماس دو مازيير دعوى بالكذب على البرلمان بشأن التعاون مع وكالات الاستخبارات الأميركية.
