لمشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا
إقالة رئيس المخابرات الجزائرية محمد مدين تمثل الحلقة الأخيرة في مشهد تزعزع نفوذ رجال الأمن الذين لعبوا دورا بارزا في عدة أنظمة حاكمة في المنطقة، بما يدعو إلى تأمل أزمات عالمنا العربي عبر عقود، والتي يمكن إجمالها في أنها ولدت من رحم أنظمة ديكتاتورية، قامت على مراكز قوى قوامها الأمن والعسكر ورأس المال لضمان استمراريتها، ولكنها سرّعت في انهيارها أو تصدعها.
ولطالما مثّلت أجهزة الاستخبارات، المعروفة في بعض الدول أيضا بالمخابرات، أحد اللاعبين المؤثرين من خلف الستار في الشرق الأوسط، لكن دورها تجاوز نطاقه التقليدي وتحولت إلى طرف رئيسي يشارك مباشرة في صنع السياسات وإدارة الصراعات، وهذا الأمر لا يتعلّق بالمنطقة وحدها، فقد تصاعد نفوذ تلك الأجهزة في إدارة الشؤون السياسية في كثير من دول العالم، كما أن بعض رجالها البارزين نجحوا في الوصول إلى سدة الحكم.
فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين جاء من عالم الاستخبارات، والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش كان مديرا للاستخبارات المركزية، وكثير من مسؤولي وزارتي الدفاع والخارجية في الولايات المتحدة ذوو خلفية استخباراتية.
وخلال العقود القليلة الماضية، يبدو أن معظم مفاتيح السلطة باتت بالفعل في عُهدة أجهزة استخبارات عربية وقيادتها، التي بدأت تلعب دورها في السيطرة على الدولة بفضل أنظمة حزبية سلطوية.
صراع الحلفاء
ولم تعد أجهزة الأمن في دول عربية تقصر نشاطاتها على البعد الأمني، بل مددت هيمنتها إلى المجتمع المدني، حيث باتت تتدخل في الإعلام والثقافة والسينما والمسرح والنقابات والاقتصاد، وخلقت ما يعرف بـ «ثقافة الأمن»، كما هو الحال في العراق وليبيا إبان حكم صدام حسين ومعمر القذافي. ويقول المحلل الفلسطيني داوود كتاب إن «أجهزة المخابرات هي الصانع الرئيسي للسلطة في العالم العربي، بغض النظر عن طبيعة الحكم في البلد المعني».
تلك الهالة من مراكز القوى التي تلّف الديكتاتوريات نفسها بها لا تخلو من الشوائب، حيث تندلع صراعات بين أجنحة وشبكات المصالح داخل الدولة ومع النظام نفسه أحيانا، وهو ما تكشفه حملات الإقالات أو الاستقالات التي تشهدها بعض الدول.
إقالة مدين
إقالة رئيس المخابرات الجزائرية محمد مدين، أقدم رؤساء المخابرات في العالم، التي توصف بأنها أحد أهم الأحداث السياسية في الجزائر خلال أعوام، عكست تصدعا في توازن مثلث القوى بين الرئاسة والجيش والمخابرات، بما يعزز مركزية السلطة في البلاد.
مدين المعروف بـ «الجنرال توفيق»، والبالغ من العمر 76 عاما، تلقى تدريبه في المخابرات السوفيتية «كي.جي.بي» في ستينيات القرن الماضي، وتولى منصب رئيس دائرة الاستعلام والأمن (المخابرات الجزائرية) لأكثر من ربع قرن، ما يجعله أقدم في منصبه من الرئيس بوتفليقة، الذي تولى منصبه قبل 16 عاما، والذي يعاني وضعا صحيا مترديا ونادرا ما يظهر علنا.
ويرى مراقبون أن نفوذ وسلطة مدين، المحاط بهالة كبيرة من الغموض، فاقت الحد مقارنة بأقرانه في الدول المجاورة. وقال أحد الجزائريين معلّقا على موقع تويتر: «بوتفليقة الذي لم يعد يظهر علنا أقال توفيق، الرجل الذي لم يظهر أبدا علنا».
وراجت شائعات سابقة أشارت إلى معارضة الجنرال توفيق سعي بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة، على الرغم من أن توفيق لم يعلن صراحة عن آرائه. فيما أعرب أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم عمار سعداني عن امتعاضه مما وصفه بتدخل المخابرات في شؤون الحزب.
وتشهد الجزائر تصفية تدريجية للنخب الأمنية في البلاد منذ عامين، وفُصل عدد من كبار قادة المخابرات «جهاز صانع الرؤساء»، أو قُبض عليهم، أو «استبدلوا» خلال الشهور الأخيرة.
وبحسب مراقبين، تعتبر تلك التغييرات تحولا في مركز صناعة القرار بصورة نهائية إلى مؤسسة الرئاسة، لاسيما مع النظر إلى إعلان بوتفليقة بعيد انتخابه أول مرة رئيسا للجزائر أنه يرفض أن يكون «ثلاثة أرباع رئيس»، في إشارة إلى أنه لن يقبل هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية.
تحالف رباعي
وتعبر المشكلة الأهم في أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية إفراطها في التدخل في الشؤون الداخلية للدول لحماية الأنـظمة السياسية المرتبطة بها، ما أثار فزع وحفيظة الشعوب، كما حدث في مصر خلال عقود ماضية، لاسيما مع تشديد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على «الدور الثوري» والتغييري للمؤسسة العسكرية، ومع تأسيس نحو ألف ضابط في الجيش عام 1952 نظاما سياسيا توارثه الرؤساء، حيث تم منح القوات المسلحة السيطرة على قطاعات كبيرة من الاقتصاد، لقاء ولائها للنظام في حلته الأمنية السياسية الجديدة.
وبحسب مراقبين، شهدت منطقتنا العربية «كتلة» حاكمة تحالفت مع أجهزة المخابرات والمؤسسة العسكرية ورجال الأعمال لتأمين استمراريتها. المخابرات بتحالفاتها الخارجية وتمددها إلى المجتمع المدني وسطوتها عليه. والعسكر بقوتهم الخاصة والعامة في القطاع العام. ورجال الأعمال بنفوذهم المالي والاقتصادي.
نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك جسّد تلك المعادلة، وخلق علاقة تبادلية بين السياسة والاقتصاد بما يعزز نفوذه والدائرة المحيطة به، فهو عزز سلطة رجال المال في الدولة، كما أنه منح السياسيين المقربين منه نفوذا اقتصاديا وماليا.
ديكتاتور العراق
وبالنظر إلى العراق، الذي شهد أحد أسوأ الديكتاتوريات، فإن الجيش بدأ التدخل بعمق في الحياة السياسية منذ العام 1958، عندما نجحت مجموعة من الضباط غير البعثيين بقيادة عبدالكريم قاسم في الإطاحة بالملك فيصل الثاني وتولي الحكم. لكن الحياة السياسية لم تشهد استقرارا بسبب هذا التغيير، حيث نفذ حزب البعث محاولة فاشلة لاغتيال قاسم، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك.
ومنذ تولي صدام حسين منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ورئاسة الأمن الداخلي في 1968، بنى جهازا أمنيا ضخما وكان له عيون في كل مكان في دوائر السلطة، كما أنه بدأ حملة تطهير وسحق لمعارضيه شملت 450 عنصرا من قادة الجيش، وواصل تهميش العراقيين لصالح عائلته وعشيرته، إلى أن أسقط الغزو الأميركي حكمه، ودخلت البلاد بعدها في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار، الذي تمدد إلى خارج حدود العراق.

مستبد ليبيا
ولم يكن المشهد في ليبيا بعيداً عن ذلك إبان حكم معمر القذافي الاستبدادي، والذي ألغى الجيش وحوّله إلى مجموعة من الكتائب التي وزعها على أبنائه، كما أنه عزز الفرقة بين قبائل البلاد، لاسيما في شرقها وغربها.
وأدى الحكم الشخصي، الذي اعتمد على عائلة القذافي ودائرة ضيقة من المقربين والأتباع، إلى حرمان الجماهير العريضة من عوائد الثروة.
تلك السياسة الاستبدادية دفعت الليبيين للخروج في سلسلة احتجاجات متفرقة إبان حكم القذافي، ومنها احتجاجات العام 1969 ردا على مجزرة سجن أبوسليم التي نفذتها عناصر الأمن الداخلي، وكذلك احتجاجات مدينة البيضاء في 2006 ردا على تردي الأوضاع الاقتصادية، ثم احتجاجات الأمازيغ في مدينة يفرن في 2008. وأخيرا ثورة فبراير2011 التي أسقطت نظام القذافي، ولكنها أدخلت البلاد في مأزق أمني وسياسي واقتصادي، بما بات يهدد دول الجوار الليبي والأمن القومي العربي.
فساد صالح
وفي اليمن، لعب الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح دورا محوريا في الأزمة التي تشهدها البلاد حاليا كامتداد لعقود من الفساد والحروب، وهو يعدّ سببا مباشرا في تفاقمها بتحالفه مع مليشيات الانقلابيين وتدميره مؤسسة الجيش خلال أعوام حكمه.
واستغل صالح نفوذه في المؤسسة العسكرية أثناء فترة رئاسته وحرص على خلق ولاءات شخصية داخلها، بتعيين أقربائه ومعارفه في المناصب العليا، وسهل ذلك مهمته في تجنيد قوات ومعدات وأسلحة لمحاربة شرعية الرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي.
واعتمد صالح في بداية حكمه على عدد من الوحدات العسكرية، التي يقودها أقرباؤه، وفي مقدمتها الفرقة الأولى مدرع التي ظلت حتى 2012 تحت قيادة علي محسن الأحمر، وهو من قبيلة وقرية صالح. وتم إنشاء وحدات عسكرية جديدة أهمها: اللواء الثامن صاعقة، الدفاع الجوي، الدفاع الساحلي، وألوية المشاة الذي تسلم قيادة معظمها أقرباء وأبناء قبيلته.
وكان أول قرار اتخذه صالح في 10 أغسطس 1978، بعد توليه الرئاسة، إعدام ثلاثين شخصا متهمين بالانقلاب على حكمه. كما عمل على إضعاف القيادات الجنوبية وتهميشها، وساهمت سياساته في تفاقم الخلافات وإقحام اليمن في حرب أهلية، وزاد من صعوبة الوضع سياسة اقتطاع الأراضي لمسؤولين ونخب قبلية من المحافظات الشمالية عقب الحرب.
أزمة سوريا
أما في سوريا، فقد كرس نظام حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار الفساد والاستبداد كل بأسلوبه الخاص ومن خلال طاقمه الخاص، فبشار حاول أن يعطي شرعية لوراثته الحكم عبر طرح مشروع الإصلاح والتحديث، ولكن سرعان ما تبين أن مشروعه كان واجهة للانقلاب على الحرس القديم من رجال نظام الأب، تحت شعار القضاء على الفساد. واستبدل حلفاء والده بحرس جديد غالبيته من رجال المال والأعمال الجدد، الذين سهل صعودهم بسلسلة قرارات اقتصادية بذريعة الانفتاح الاقتصادي، والتي كان هدفها الاستيلاء على مقدرات البلاد، وإنهاء نظام المحاصصة المقننة الذي كان يتبعه الأسد الأب، بفتح الباب للفساد بما يضمن الولاء.
وحصر الأسد الابن المراكز الحساسة في الدولة في دائرة ضيقة مقربة منه، فتولى شقيقه الأصغر ماهر قيادة الحرس الجمهوري الفرقة الرابعة، أقوى تشكيل عسكري في الجيش، والذي وصف بأنه الراعي الرئيسي للعنف في سوريا. بالإضافة إلى زوج أخته الراحل آصف شوكت الذي تولى قيادة المخابرات العسكرية وكان نائبا لوزير الدفاع، وابن خالته رامي مخلوف المسيطر على النشاط الاقتصادي. إلى جانب الحلقة الأمنية المحيطة بالرئيس السوري، ويتقدمها مدير المخابرات اللواء علي مملوك، العقل المدبر للنظام والرجل الأكثر غموضا وحلقة الوصل مع أجهزة استخبارات أجنبية، وهو من مسؤولي الصف الأول عن قمع الثورة الحالية.
مهمة محددة
تتركز المـهمة المحددة لأجهزة الاستخبارات في أنها أجهزة لجمع وتحليل المعلومات المتعلقة بمصادر تهديد الأمن القومي لدولة ما، ومنع الأطراف المناوئة من اختراق تلك الدولة، مع القيام بما يُـعرف باسم «النشاطات السرية» للتعامل مع المخاطر، التي لا تُتيح الظروف أو القيود التعامل معها بالوسائل المعتادة الأخرى. ولكن المعضلة الأساسية في دول عربية أن تلك الأجهزة تجاوزت الخطوط المرسومة لها، وخرجت من ثوب القيود السياسية والقانونية، ودخلت علنا الصراع على التأثير في القرار السياسي مع المؤسسات الأخرى.
