أثارت الضربات الجوية الروسية في سوريا، أخيراً، دهشة الكثير من الأميركيين، بمن فيهم، على ما يبدو، أعضاء في إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما. ما كان يجب أن يساورهم هذا الشعور على الإطلاق.
وقد عمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومساعدوه، على تصعيد دعم الرئيس السوري بشار الأسد منذ أشهر، وبشكل واضح، عبر قوات المشاة والطائرات، فيما شددوا على أن الرئيس السوري بشار الأسد، جزء من الحل في سوريا، خلافاً للرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي يعتبره أساس المشكلة.
ورفض بوتين، خلال اللقاء الذي جمعه بأوباما في نيويورك، أخيراً، طلب الأخير بأن يتعهد بقصف إرهابيي «داعش» وحسب، وليس المقاتلين المعتدلين الذي تدعمهم الولايات المتحدة.
مواقف متناقضة
ويعتبر هذا الخلاف بين الحكومتين الأميركية والروسية، جوهرياً، ففي خطابه أمام الأمم المتحدة، حمّل بوتين المسؤولية لـ «بعض» الأشخاص، وقصد بهم مسؤولي الولايات المتحدة، في التحريض على الثورات «الديمقراطية» حول العالم، بما في ذلك سوريا.
وقال بوتين، مؤكداً الدعم لما أسماه «الحكومة الشرعية في سوريا»: «بدلاً من فرض الإصلاحات، تسبب التدخل العدواني المتسرع، بتدمير مؤسسات الحكومة وأسلوب حياة السكان المحليين. الطريق الوحيد لحل هذه المشكلة نهائياً، يكمن في استعادة هيبة الدولة التي تحطمت في سوريا».
وقالت فيونا هيل، أبرز المدافعين عن بوتين في مؤسسة بروكينغز: «يجب ألا تطغى أجواء التعمية على ما يفعله الروس. فقد كانوا متناغمين ومباشرين منذ البداية، وطرحوا سؤالاً واضحاً، مفاده: إذا لم يكن الأسد، فمن؟ ذلك أنهم يريدون رؤية رجل قوي في هذا المنصب، يستطيع فرض النظام».
ماذا تريد روسيا من سوريا عدا ذلك؟ يشير بعض صقور أميركا، إلى أن قرار بوتين يبدو أشبه بحملةٍ لجعل روسيا قوة عسكرية أساسية في منطقة الشرق الأوسط ككل. إلا أن هيل وخبراء آخرين، يصفون الأهداف الروسية بأنها أكثر تحديداً وعملانيةً، بل وحتى وقائية.
أسباب داخلية
لذا، فإن روسيا تعتبر مشاركة في سوريا لأسباب داخلية عملية، وليس فقط كمسعىً للحصول على مكانةٍ لها. كما أن العوامل العالمية حقيقية كذلك. فبعد أن غرق بوتين في العزلة الدبلوماسية، جراء اجتياح أوكرانيا عام 2014، فمن الواضح أنه لم يكن يمانع أن يتمكن من إدارة اللقاء الأخير الذي جمعه بأوباما.
ويفضي بنا ذلك إلى السياسة الأميركية، التي تعتبر أقل وضوحاً من سياسة روسيا، التي في حين أنها أرسلت الطائرات والجنود لمساندة حليفها، رفض أوباما إدخال قواته في قتال مباشر، واكتفى بشن هجمات جوية ضد «داعش».
تتسم سياسة بوتين المتمثلة في الغارات الجوية بسمات عديدة، أبرزها، أنها فاعلة إزاء تحقيق الغاية منها. أما سياسة أوباما فنبيلة وحذرة، إلا أنها فاشلة بشكل مؤلم.
ويعتقد المسؤولون الأميركيون، أن استراتيجية بوتين ستكسب على المدى الطويل، روسيا، عداوة السنة العرب، باعتبارهم الأكثرية في الشرق الأوسط، إلا أن بوتين يبدو في المدى المنظور، أنه محقق لمراده، المتمثل بحجز مقعد أكيد له على طاولة المفاوضات.
وتقول هيل في هذا الإطار: «إن كانت هناك من عملية سياسية، فروسيا تحرص على ألا تضع أميركا وحلفاؤها شروط التسوية. وهي توضح من خلال اللجوء للقوة، أنه لا بد من أخذ مصالحها بعين الاعتبار». ويفرض هذا الواقع، حتماً، خياراً غير مستساغ على أوباما، يشترط إما القبول بالأسد كجزء من الحل، أو مجابهة القوة الروسية، عبر زيادة مستوى دعم المقاتلين.
وقد كشف أوباما أمام الأمم المتحدة، أنه لا ينوي الذهاب في أي من الخيارين، إذ قال: «لا أشك مطلقاً في مدى ما يمثله ذلك من كارثة إنسانية، لكن إن لم نتمكن من دفع القوات الموجودة على الأرض إلى الموافقة على التعايش، فإن كل مستويات التدخل العسكري لن تحل الأزمة».
ولا يخطئ أوباما في موقفه حيال عدم صواب فكرة نشر القوات الأميركية في سوريا، مستفيداً من درس العراق، كما أنه محق، في اعتبار أن اقتراحات منتقديه بإيجاد منطقة حظر جوي، لن تأتي بدون ثمن، إلا أن مزيجاً من تصميم بوتين وتردد أوباما، قد هيأ سوريا لشهور مقبلة من الحرب، دون أن يكون هناك أي مسار واضح نحو إيجاد الحل.
