لا يقتصر هدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تنفيذ الانتشار الدراماتيكي للجنود والعتاد والطائرات في سوريا على إعادة تحديد ملامح الحرب الأهلية هناك، بل يمتد إلى تعزيز مكانة روسيا كذلك في المجتمع الدولي.
لطالما عاشت موسكو في عزلة امتدت سنوات بفعل العقوبات التي تعرضت لها، عقب ضم القرم ودعم الانفصاليين في شرقي أوكرانيا. وضاعف بوتين دعم النظام السوري المحاصر، فأرسل بذلك رسالةً واضحة، مفادها أنه لن يكون هناك من حلّ للوضع الدموي السوري بغياب موسكو.
استعراض لكسر العزلة
وقال ألكسندر غولتز، المحلل العسكري ونائب رئيس تحرير أحد المواقع الإلكترونية الإخبارية التي صنفت محظورة بعيد ساعات من ضم القرم: « لبوتين وموسكو هدف واضح، يقضي بتجاوز مرحلة العزلة الناجمة عن أزمة أوكرانيا. وبدت فكرة الحلف المضاد لتنظيم داعش جسر عبور ممتازاً لتخطي مسألة العزلة، وتبين أنها فكرة ناجحة».
ولم تأت صور الأقمار الصناعية للتوسع العسكري حول القاعدة الروسية في اللاذقية من باب الاستعراض وحسب، بل انبثقت من حرص روسيا على التشبث بقواعدها البحرية والجوية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، مبدية نفورها الواضح من السماح بتغيير النظام وفق مساع غربية حثيثة، وقلق من تأثير المتشددين في المناطق ذات الغالبية المسلمة.
أرسل بوتين بضعة آلاف من المقاتلين إلى قواعد منيعة التحصين، حيث لا يتوقع منهم أكثر من تدريب السوريين ودعمهم، فكسر بذلك حاجز العزلة الدبلوماسية، وعزز مزاعم الحضور الاستراتيجي لروسيا في الشرق الأوسط، وأثبت أنه لا يمكن إتمام صفقة تخص أي نزاع دولي من دون روسيا.
كان حضور بوتين إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة قبل شهرين يمكن أن يبديه معزولاً، إلا أننا شهدنا لقاء بوتين أوباما وتجاهل الأزمة الأوروبية واجتماع قادة العالم في نيويورك متلهفين لسماع اقتراحات بوتين بشأن الابتعاد عن الهوة السورية.
إلا أن سياسة الغرب حيال روسيا التي تتسم بالفوضى سمحت لسياسة الواقع الروسية المتعنتة بتحويل طاغية مثل الرئيس السوري بشار الأسد إلى ورقة رابحة. ففي العواصم الأوروبية، حيث دعا السياسيون يوماً إلى خلعه، باتوا يدّعون اليوم مكرهين أن الأسد الدكتاتور يمثل أمل بلده الضئيل في الحصول على نوع من الاستقرار.
مخاوف أوروبا
في الواقع، لا يخفف تعزيز موقع الأسد بالضرورة اثنين من أبرز مخاوف أوروبا المتمثلين بـ«داعش» وتدفق اللاجئين من سوريا. لقد ركز الأسد اهتمامه الأكبر على مقاتلة مجموعات أخرى، تاركاً مسألة قتال «داعش» داخل سوريا بمعظمها في أيدي القوات الجوية الغربية، والميليشيات الكردية، وبقية المعارضين الذين تضعهم مطامعهم الجغرافية في مواجهة مع التنظيم.
قد لا يكون الحل الأشمل الذي يسعى إليه الغرب مرتبطاً بقضبة روسيا، حيث لا تدل المؤشرات على أن موسكو تتمتع بفهم أوضح من قادة الغرب حول الوضع المعقد في سوريا، كما أنها لا تبدي قابلية حقيقية للتدخل على نطاق واسع في القتال إلى جانب السوريين، بل تتخوف من تأثير المتشددين في محيطها.
وتعتبر القواعد البحرية والجوية التي تطورها روسيا وتوسعها مهمة في المنطقة، سيما أنها تشكل «حضورها العسكري الدائم » هناك. ويمكن للعب دور أكبر في السياسة الشرق أوسطية أن يحقق منافع تجارية لروسيا، في ظل تراجع أسعار النفط، وفورة الصادرات الأساسية الأخرى من أسلحة وتكنولوجيا نووية. وقال ليونيد إيساييف، أستاذ مادة الاقتصاد في روسيا: « أظن أن حكومتنا فهمت الحاجة للعب دور خاص بها في المنطقة، بدلاً من الاكتفاء بدور الوسيط».
وأشار في الوقت عينه إلى أن رفع العقوبات عن إيران قلّص من فائدة روسيا كوسيط بين طهران والغرب. لقد حقق بوتين حتى الآن مكاسب أساسية، مقابل تكاليف متواضعة نسبياً، إلا أنه يمارس لعبة سياسية في حرب غير متوقعة.
إذا خفف الأسد إحكام قبضته أكثر، فقد تقف روسيا أمام خيارين صعبين، فإما أن تتخلى عن الأسد أو تقوم بتضحيات أصعب. « إلا أن بوتين في خضم محاولته الوصول إلى هدفه، قد سار في دروب محفوفة بالمخاطر قد تأخذه نحو مسارات صعبة ومأساوية».
