أحدث انتخاب اليساري الراديكالي جيرمي كوربن زعيماً لحزب العمال البريطاني بأغلبية ساحقة هزة في الحياة السياسية في المملكة المتحدة، ذلك أن المغزى الرئيسي لهذا الفوز كان يعني أن الحزب يشهد تجذراً في قواعده، وينعطف جدياً نحو اليسار، طاوياً معه صفحة «حزب العمال الجديد» الليبرالي الوسطي التي بدأها كل من رئيسي وزراء بريطانيا السابقين توني بلير وغوردون براون.
واللافت في فوز كوربن أنه جاء بعد أربعة أشهر فقط على تعرض الحزب لهزيمة مدوية في الانتخابات العامة، حيث حمّلت شخصيات كبيرة في الحزب جانباً من مسؤولية الهزيمة على كاهل زعيم الحزب السابق إد مليباند، بسبب ميوله التي وصفت بـ«الراديكالية» على الناخبين، وهو الوصف الذي يصح بدرجة أكبر، في الواقع، على الاشتراكي العتيق كوربن الذي حصد 60% من الأصوات، رغم دعوات بلير وبراون لعدم التصويت له، وحشد تأييداً واسع النطاق تجسد أيضا من خلال انضمام أكثر 400 ألف عضو جديد إلى الحزب منذ دخوله حلبة المنافسة على الزعامة، ما يصل إلى ثلاثة أضعاف أعداد أعضاء الحزب أثناء الانتخابات النيابية الأخيرة.
الأسباب والتأثيرات
يجمع المراقبون على أن التأثيرات السياسية لفوز كوربن ستكون هائلة ولا يمكن التنبؤ بها، إذ لم يسبق أن حظي يوما زعيم لحزب العمال من اليسار التقليدي بتأييد كبير بهذا الوضوح، وكوربن أكد بنفسه أنه يريد العودة بالحزب إلى قيم اليسار التقليدية وعكس سياسات بلير و«حزب العمال الجديد».
وفوزه بهذه النسبة العالية يظهر بحد ذاته رغبة لدى قاعدة الحزب في إحداث تغيير في السياسة البريطانية، وأسلوب التعاطي السياسي الذي كرسه بلير وبراون، والذي قيل إنه كان مساهما رئيسيا في انتصارات الحزب الانتخابية منذ عام 1997، لكنه أوصل الحزب في نهاية المطاف إلى حالة من الجمود، مما دفع بنائب زعيم الحزب توم واتسون للقول: «لدينا إحساس كبير أن هذه الانتخابات هي استفتاء على الثقافة السياسية للحزب».
وهذه الطاقة المستجدة في السياسة البريطانية كان يعبر عنها في السنوات الأخيرة بأشكال عدة، سواء من خلال التغيير السياسي في اسكتلندا أو فوز حزب الاستقلال البريطاني بمعظم الأصوات في الانتخابات الأوروبية.
وهي تحولات تعكس استياء واضحا من الأزمة المالية لعام 2008، وكيفية معالجتها، كذلك تعكس حالة من الغضب لدى الشباب والنقابات من غياب المساواة وتجاوزات الرأسمالية والعولمة، وهو ما تم التعبير عنه عبر ابتعاد الناخبين بشكل واضح عن السياسات الوسطية، والاتجاه نحو اليسار الاشتراكي أو اليمين القومي، ليس فقط في بريطانيا، حيث فاز حزب الاستقلال البريطاني بنسبة 13% من الأصوات وبمساندة أربعة ملايين ناخب من الطبقة العاملة، بل في أوروبا بشكل عام، سواء في صعود الجبهة الوطنية في فرنسا، أو في تقدم أحزاب مثل سيزريا في اليونان وبوديموس في إسبانيا.

الرجوع إلى الـتأميم
بعد ثلاثة عقود، يتجه حزب العمال إلى اليسار، وينتخب كوربن بناء على برنامج يشمل تفكيك السياسات الاقتصادية الليبرالية كما السياسة الخارجية لسابقيه، بعد إخفاق إد ميليباند في تطوير رسالة متماسكة بهذا المعنى.
وتشير صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن كوربن يريد العودة بالحزب إلى جذوره في الطبقة العاملة وحماية حقوق العمال ومحاربة عدم المساواة بكل أشكالها، وهذا يبدو جليا في دعوته لتأميم قطاعي الطاقة والكهرباء وسكك الحديد، وزيادة الضرائب على الأغنياء والشركات ومعارضته سياسة التقشف وتعديلات النظام الصحي، وتقليص الرعاية الاجتماعية، وتأييده لزيادة الإنفاق الحكومي بتمويل من الضرائب التي يطالب بتوزيعها بشكل أكثر عدلاً، برنامج يضعه بالتأكيد على يسار جميع قادة حزب العمال منذ مايكل فوت قبل ثلاثة عقود.
وهناك تلك اللمحة الإنسانية في خطابه التي تجلت بذهابه في أول مهمة له كزعيم للحزب إلى تظاهرات داعمة للمهاجرين، واستعداده للاعتذار للشعب العراقي على احتلال العراق، ويعرف عنه تأييده للحقوق الفلسطينية، وبأنه ناقد لاذع لإسرائيل وللسياسية الخارجية الأميركية، ويدعو لوقف التدخلات الخارجية والحروب، ويفضل خروج بريطانيا من حلف شمالي الأطلسي ويريد أن تتخلى عن الردع النووي ولو من جانب واحد.
الداخل والخارج
وبرنامجه، كما يتضح، على تناقض واضح مع اليمنيين والمحافظين في مجمل السياسات سواء الاقتصادية أو الضريبية أو الاجتماعية والدفاعية أو حتى الخارجية، كما أنه يختلف عن مواقف زعامات ليبرالية ضمن التيار العام السائد في حزب العمال.
ولهذا السبب كانت ردود الفعل على فوزه حادة، اتهمه المحافظون بأنه يشكل «تهديدا على الأمن القومي»، بينما عمدت شخصيات كبيرة في حزب العمال البريطاني لا تشاركه وجهات نظره اليسارية في الاقتصاد والسياسة الخارجية، إلى انتقاد المنحى الجديد الذي يريد أن يسلكه، مشككة بإمكانية حزب العمال تقديم معارضة فعالة لحكومة المحافظين أو الفوز بالانتخابات تحت قيادته.
وقد قاد الحملة ضده توني بلير قائلاً إن الحزب يتجه مغمض العينين مباشرة نحو هاوية في أسفلها صخرة مسننة. كما أعرب غودرون براون عن خشيته من أن يتحول حزب العمال في عهده إلى حركة احتجاج بدلاً من بديل واقعي لحكومة المحافظين، مركزاً انتقاده على سياسة كوربن الخارجية، لا سيما وصفه حركة حماس وحزب الله «بالأصدقاء»، وتحالفه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وكل هذه الانقسامات في حزب العمال قد تضع الحزب أمام أزمة قد تكون مصيرية. والخلافات بدأت تتشكل فعلاً، وكوربن تلقى سيلاً من الاعتراضات من أعضاء حزبه على مواقفه السياسية والاقتصادية.
وهذه الخلافات قد تفجر الحزب في معارك داخلية تعيده إلى الصراع الطاحن لأوائل الثمانينات، والذي يعتقد أنه كان وراء أربع هزائم متتالية في الانتخابات، والحزب قد يشهد انشقاقات ونائب الحزب توم واتسون أقر بأن سلسلة من القضايا المهمة في السياسة تهدد في تضييق الخناق على وحدة حزب العمال في الأشهر المقبلة، وهو نفسه على خلاف مع كوربن على قضايا عضوية الاتحاد الأوروبي وتجديد البرنامج النووي (ترايدنت) وعضوية حلف شمالي الاطلسي.
خلافات كثيرة
ومن المتوقع أن يبرز الانقسام تحديدا في مجلس العموم، حيث 90% من نواب حزب العمال البالغ عددهم 232 نائبا لم يختاروا كوربن للرئاسة ولا يؤيدون مواقفه، وعدد كبير منهم يمكن أن يذهب في اتجاه معارض، رغم حجم التفويض لكوربن من قاعدة الحزب، والأرجح أن كوربن سيواجه مهمة صعبة في إقناع نواب حزب العمال بإظهار الولاء له على مجمل القضايا، ومشكلته تتفاقم بسبب تصويته ضد مواقف حزبه أكثر من 533 مرة منذ انتخابه في 1983.
قانون النقابات كان أول اختبار له في مجلس العموم، وهو أظهر دعماً أقوى للنقابات من مواقف سابقيه، ثم هناك قانون مساهمات التأمين الوطني وقانون الرعاية الاجتماعية، وكوربن كان الوحيد بين المرشحين الأربعة الذي تحدى موقف الحزب من هذا القانون فيما امتنع الآخرون التزاما بموقف القيادة.
ويبقى الامتحان الحقيقي في الخيارات السياسية الكبرى بشأن التقشف وقضايا الضرائب، وتأميم الخدمات الأساسية، والبقاء في الاتحاد الأوروبي، والهجرة، وعضوية بريطانيا في «ناتو».
عشرة من أعضاء حكومة الظل انسحبوا تاركين المقعد الأمامي في معارضة غير مسبوقة، وفيما أشار كوربن إلى أنه سيحاول الحفاظ على حزب العمال باستيعاب الجميع، وبأن قيادته «ستركز على الوحدة»، فإن التحليلات ترجح أنه، بدعم قليل من الحزب في البرلمان، سيذهب إلى قاعدة الحزب للتحقق من صحة السياسات، إذا كانت حكومته في الظل ونوابه ليسوا معه.
التوقعات المستقبلية
وفي غضون ذلك، يشير عدد من المحللين إلى أن توجه حزب العمال نحو اليسار يعد تقليصا كبيرا لفرصه الانتخابية، ذلك أن قواعد بريطانيا الانتخابية تميل لصالح نظام الحزبين، مما يعني أن الوصول إلى السلطة يتطلب ائتلافات واسعة النطاق لجذب أكبر عدد من الناخبين.
وتشير صحيفة «نيويورك تايمز» في هذا السياق، إلى أن حزب العمال تحت اد ميليباند كان يعتبر يساريا أكثر من اللازم للحصول على مقاعد في جنوب انجلترا تمكنه من الفوز، حتى ولو كان مدعوماً من الحزب القومي الاسكتلندي، وهذه المخاوف سوف تترسخ مع فوز كوربن، حيث سيستفيد المحافظون ويعملون على ملء الفراغ الذي سيخلفه حزب العمال بتركه الأرضية الوسطية، ويركزون على دورهم في خلق الوظائف وخفض العجز في الميزانية.
لكن تحقيق ذلك يعتمد وفقا لصحيفة «وول ستريت جورنال» على قدرة المحافظين على التمسك بأرضية وسطية في السياسة البريطانية وتفادي الانقسامات، وهذا ما لن يكون سهلاً برأي الصحيفة، فالمحافظون ليسوا محصنين ضد الانتقادات، وحزبهم منقسم حول عضوية الاتحاد الأوروبي، ويواجهون منافسة متزايدة من قوميين يمينيين يطالبون بالسيادة في صنع القرار، وهو ما ظهر في الدعم المتزايد لحزب الاستقلال.
وترى الصحيفة أنه إذا ما فجر الاستفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبي الخلافات، فإن ذلك قد يغير المشهد السياسي البريطاني بشكل أكثر دراماتيكية حتى من فوز كوربن نفسه، حيث ليس بعيدا عن التصور بروز حزب جديد في الوسط، علما أن مخاوف الانقسام تصح أيضا على حزب العمال المنقسم بين مؤيد لعضوية الاتحاد الأوروبي ومناهض لها.
وسيكون الزعيم الجديد لحزب العمال، في غضون ذلك، أمام تحد كبير للعودة بحزبه إلى رئاسة وزراء بريطانيا، في ظل موقف زعامات من اليسار الليبرالي يرى صعوبة تحقيق فوز انتخابي إذا تم تبني البرنامج الذي يقترحه كوربن.
لكن الأمر في النهاية رهن بالتطورات، فالتقلبات السياسية حادة وحالة الاستقطاب يمينا ويسارا ماضية قدما، وكوربن يرى الحزب جزءا من حركة اجتماعية أوسع، لكن المؤكد أننا نشهد تغييرا في المشهد السياسي البريطاني، بخيوط قد تمتد إلى أوروبا أيضاً.
نبذة شخصية
أصبح زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربن نائبا عن دائرة إيلنغتن نورث اللندنية عام 1983، لا يعدّ خطيباً مفوهاً ولا قيادياً كاريزمياً، لكنه يتحدث بما يؤمن به ويعتبره البعض يسارياً من الطراز القديم.
له من العمر 66 عاماً، وهو ملتح ونباتي ويتنقل على دراجة هوائية في شوارع لندن ويقوم بزرع حديقته بنفسه وسط أحد أحياء شمال لندن. تعرض لانتقادات على ملابسه التي يشتريها من التعاونية، وقد فاجأ الجميع عندما ظهر، في أول ظهور له أمام مجلس العموم كزعيم لحزب العمال، ببدلة وربطة عنق حمراء.
ضغوط هائلة تمنعه من تحقيق طموحاته
بدأ الهجوم على زعيم حزب العمال جيرمي كوربن من اليوم الأول لفوزه، وبات من المؤكد أنه سيواجه ضغوطات هائلة ستمنعه من التقدم بأفكاره.
وأخيراً، وافق وهو الجمهوري المثول أمام الملكة، كما سارع حزبه إلى التأكيد بأن زعيمهم سيؤدي النشيد الوطني بعد انتقادات وجهت له لعدم ترديده النشيد الذي يمجد الملكة في حفل تكريم قدامى المحاربين في الحرب العالمية الثانية، وكوربن قال إنه عبّر عن تكريمه لهم «بالصمت».
كذلك، عين هيلاري بين وزيرا للدفاع في حكومة الظل، الذي صرح بأن «الحلف الأطلسي هو ركيزة أمننا وعلينا أن نحافظ على ردع نووي مستقل»، على خلاف مع مواقفه. وكوربن أخفق في طرح الموضوع على التصويت في مؤتمر الحزب.
لكن التحليلات تشير إلى أنه لن يرضخ في المجال الاقتصادي، وما تعيينه جون ماكدونيل في منصب وزير مالية الظل، وهو اليساري المعروف بوجهات نظره غير المساومة على إعادة التأميم وزيادة الضرائب إلا دليل على ذلك، وماكدونيل قال إنه على استعداد للسباحة في القيء لمعارضة قانون إصلاحات الرعاية الاجتماعية. كما أكد كوربن نفسه أنه سيدرج تأميم سكك الحديد على جدول أعمال الحزب.
احتدام
سياسة بريطانيا الخارجية في مواجهة مع كوربن
ستواجه وجهات نظر كوربن بشأن السياسة الخارجية معارضة شديدة، سواء من اليمينيين المحافظين أو من داخل حزب العمال البريطاني نفسه، ذلك أنه:
- رئيس حركة «أوقفوا الحرب» في بريطانيا التي تعارض أي مشاركة لبريطانيا في الحروب، في أفغانستان أو العراق، كما أنه ضد توجيه ضربات جوية ضد «داعش» في سوريا.
- نظرته للسلام في الشرق الأوسط تؤيد التفاوض مع «حماس» و«حزب الله»، وهو يعارض توفير دعم عسكري لأوكرانيا ويلقي باللائمة في الأزمة على توسع حلف شمالي الأطلسي «ناتو».
- يدعو إلى الانسحاب من «ناتو»، كما يقف ضد تجديد البرنامج النووي «ترايدنت»، وعلى الرغم من تعيينه هيلاري بين وزيرا للدفاع في حكومة الظل العمالية، الذي يؤيد الحلف الأطلسي والحفاظ على ردع نووي مستقل، فقد اشتد الهجوم عليه حيث نقلت صحيفة «تايمز» اللندنية عن أحد جنرالات الجيش تهديده بالتمرد إذا حاول كوربن تخفيض عدد الجيش البريطاني، أو حاول التخلي عن التسليح النووي أو الانسحاب من «ناتو».
- يرفض حسم موقفه بشأن عضوية الاتحاد الأوروبي، ويرهن الأمر بأجندة رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون بشأن حقوق العمال، على الرغم من قوله «سنبقى نحارب معاً من أجل أوروبا أفضل».
تحولات
العمال البريطاني في مواجهة المتغيرات التاريخية وأهواء زعمائه
يعتبر حزب العمال ثاني أكبر حزب في بريطانيا. يصنَّف ضمن يسار الوسط، ويرجع تاريخ تأسيسه لعام 1900 بسعي من النقابات من أجل الحصول على تمثيل سياسي في البرلمان. اتخذ خطاً يسارياً في بداية تأسيسه، ثم تقلّبت مواقفه يميناً ويساراً حسب أهواء قيادته والمراحل التاريخية، ووصل التوتر بين يمين الحزب ويساره إلى ذروته في فترات الثمانينات مع صعود مارغريت تاتشر.
التزم الحزب بـ "بالملكية العامة" أو "التأميم"، من خلال "البند الرابع" في دستوره عام 1918، ورغم أن ثلث الصناعة البريطانية كانت ملكية عامة بعد الحرب العالمية الثانية، وبقيت كذلك حتى الثمانينات، إلا أن يمين الحزب كان يشكك بهذا الهدف منذ عام 1959، إلى أن نجح رئيس الوزراء الأسبق توني بلير وأنصاره، الذين رأوا أنه يبعد الناخبين المحتملين من الطبقة الوسطى، بإلغائه بعد 35 عاماً.
والحزب المتأثر بالاقتصادي كينز فضل دوماً التدخل الحكومي في الاقتصاد وإعادة توزيع الثروة، بما في ذلك من خلال فرض الضرائب، كما دعم دولة الرفاه والرعاية الصحية.
لكن بنهاية الثمانينات تبنى الحزب سياسات السوق الحرة والمنافسة، مما أدى إلى الحديث عن طريق ثالث ديمقراطي اجتماعي بدلاً من ديمقراطي اشتراكي، في تحول أثر على العلاقات بين النخب السياسية والنقابات.
