أدى التصعيد العسكري الممارس من مختلف أطراف الصراع في سوريا، أخيراً، إلى ارتفاع دراماتيكي في مستوى سفك الدماء، لا سيما بعد أن واظب نظام الرئيس السوري بشار الأسد على قصف مدينة الزبداني القريبة من الحدود اللبنانية، ودوما القريبة من دمشق.

وكان هجوم النظام السوري هذا العام، هو الأسوأ ربما، من حيث عدد الضحايا البشرية وحجم الدمار. وقد أدت الغارات الجوية على أحد أسواق دوما إلى وقوع أكثر من 100 قتيل من المدنيين ومئات الجرحى. أما الأوضاع الإنسانية، فجاءت كارثية على نحو مماثل، ووصف مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دو ميستورا، الوضع في المدينة التي تعتبر آخر معاقل المقاتلين في منطقة القلمون، بأنه وصل «إلى مستويات غير مسبوقة من الدمار».

تصعيد بهدف التحصين

ودفع التصعيد المشهود إلى تبني عدد من النظريات المتعلقة بإمكانية محاولة الأطراف تحسين مواقع المقايضة، بعدما أبدت إيران وروسيا حراكاً دبلوماسياً ملحوظاً في سوريا. ووصف أحد الدبلوماسيين الغربيين تصاعد حدة الصراعات، بأنها مجرد وسيلة تتعمدها الأطراف، تمهيداً للحل السياسي، وقال: «لا تزال الأوضاع هشة، إلا أن التحرك المتعمد من شأنه أن يفضي إلى حل سياسي يريده الجميع، لا سيما أن الإنهاك بات السمة الطاغية».

ويبدو أن مثل هذا التصريح يعكس آمال داعمي المعارضة، أكثر مما يردد صدد التوجهات الداخلية والخارجية للبلاد. ويتغاضى هذا الادعاء عن واقع أن الذين يقفون وراء أعمال التصعيد لا يرغبون في حلّ سياسي. وقد بدأت «جبهة النصرة» و«أحرار الشام» اللتان قادتا الهجمات الأخيرة الناجحة في الشمال، بحملات عسكرية مكثفة على كل من إدلب وسهل الغاب في مطلع هذا العام، أي قبل شهور من ظهور أي مبادرات دبلوماسية. وشكلت هجمات الأسد في الزبداني جزءاً من الحملة التي يقودها حزب الله لإحكام سيطرته على منطقة القلمون القريبة من الحدود مع لبنان. كما جاءت المجزرة التي ارتكبها النظام بحق المدنيين في دوما، متوافقةً مع حملة الانتقام وبث الذعر التي تنفذ عند تجاوز المقاتلين بعض الخطوط.

غياب نوايا السلام

ولا يملك النظام كذلك نية لتشارك السلطة فعلياً مع أي طرف آخر، أو السماح للمعارضة بالمشاركة في إدارة شؤون البلاد. وتتوهم الحكومة أن مؤيدي المعارضة لا يهتمون بإحراز نصر حاسم يحققه المقاتلون المعارضون، ولا تتضمن الخطط البديلة التي وضعتها لتنامي قوة المقاتلين تسليم السلطة.

كذلك لم يبدل مناصرو النظام نظرتهم إلى الصراع، بالرغم من الإشارات الدبلوماسية التي أبدتها إيران، وتضمنت وضع خطة «مراجعة» لسوريا وروسيا، تنطوي على تنظيم زيارات يقوم بها مسؤولو النظام إلى دول المنطقة.

ويعود السبب الأكثر ترجيحاً وراء تلك المبادرات الدبلوماسية، إلى اللعب على وتر تردد عدد من مؤيدي المعارضة في زيادة دعم المقاتلين. وقد أعربت دول الغرب بشكل غير معلن، عن مخاوفها من أن يؤدي الازدياد الأخير في حجم المساعدات العسكرية، والتنسيق إلى إخراج الأوضاع عن السيطرة في سوريا.

وتردد عن أحد اجتماعات «أصدقاء سوريا»، طلب الدول الغربية من المؤيدين الإقليميين للمعارضة، عدم السماح بتعرض النظام لتهديد وجودي.

وحفزت تلك المخاوف على إجراء محادثات مع المعسكر المؤيد للمعارضة، بدلاً من عقد لقاءات مع الأطراف المعارضة لها، والتباحث في مسألة إعادة إحياء العملية السياسية في البلاد. وقدم ممثلو إحدى دول المنطقة، مداخلةً في أحد تلك الاجتماعات، تتحدث عن عدم إمكانية التوصل إلى حلّ سياسي، لأن روسيا لا تبدي استعداداً لفرض ضغوط على نظام الأسد. لذا، يعول عدد من الدول التي تقف في صف المعارضة، على أي مبادرات من الجانب الروسي.

ويتوهم الأسد وداعموه الأجانب، وجود خطوط صدع في أوساط الفريق المؤيد للمعارضة. وتكمن الطريقة الوحيدة لتحسين موقعهم التفاوضي في الترقب وتحين الفرصة المناسبة، وهم يأملون، بالتالي، حصول انقسامات في صفوف المقاتلين المعارضين.

تذبذب

يترجم تفكير المعسكر المؤيد للمعارضة، حالةً من التحركات النشطة، وهو قد دعم، علي سبيل المثال، الجهود المشتركة التي بذلتها بعض الدول العربية وتركيا لمساندة «جيش التحرير» في شمالي سوريا، وهو عبارة عن تحالف من المقاتلين، حقق مكاسب ملموسة ضد الجيش السوري في إدلب منذ مارس الماضي، لكن حين بدأ هذا الائتلاف بالتقدم نحو عمق المناطق التابعة للنظام، في قلب سوريا وغربها، بدأ الداعمون يدققون في الموقف.

وتسود خلافات كثيرة بين كل من أميركا وتركيا حيال دور القوات الكردية في شمال شرقي سوريا، والقتال ضد «داعش».