تعتبر روسيا المزود الرئيس للأسلحة المتدفقة على نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وقد حالت حتى اليوم دون أي تدخل غربي هناك. وتساءل وزير عراقي قبل بضع سنوات، متحدثاً إلى جنرال أميركي رفيع المستوى عن مجريات الحرب في سوريا، كيف لا يزال الأسد في سدة الرئاسة في حين أن الرئيس الليبي السابق معمر القذافي قد تمت إطاحته بسرعة، قبل أن يتعرض للقتل على يد المتمردين في ليبيا عام 2011؟ وأجاب الجنرال الأميركي رداً على السؤال بالقول: «هناك فرق كبير بين الأمس واليوم يكمن في عودة روسيا كقوة عظمى».
وأضاف مستذكراً أنه في ليبيا باركت روسيا التدخل العسكري لحلف «ناتو» من أجل إنقاذ بنغازي من السقوط تحت ضربات مدفعية القذافي. وفتح الامتثال الروسي الباب أمام حملة هادفة وناجحة لحلف «ناتو» للحصول على دعم كاف للثوار الليبيين بهدف هزيمة النظام.
الدعم الروسي
أما في سوريا، فقد منحت روسيا حكومة الأسد الدعم العسكري والدبلوماسي بما يكفي للحيلولة دون هزيمتها. واعتبرت روسيا مزود السلاح الرئيس لسوريا، الذي حال دون أي تدخل أجنبي على غرار ما حصل في ليبيا.
وعلى الرغم من أن روسيا بوتين لا تضاهي قوة الاتحاد السوفييتي، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا قد خسرتا قوتيهما في منطقة الشرق الأوسط، قبل عقد مضى، بسبب الإخفاق في تحقيق الغايات المنشودة من الحروب التي أشعلاها في أفغانستان والعراق. وقد ضاعفت أميركا خلال العام الماضي هذا الإحساس بالضعف، حين فشلت في منع تقدم «داعش»، على الرغم من تمضية عام كامل في توجيه الضربات الجوية لمواقع التنظيم.
ومن الأهمية بمكان أخذ فشل السياسات الراهنة في الاعتبار قبل البحث في ما يجب أن تفعله اليوم كل من أميركا وبريطانيا وروسيا وحلفائها، لاسيما أن حالة من التفكير بالتمني طغت على الأوضاع حتى اليوم، وقد جاء رد الرئيس الأميركي أوباما على خبر النجاح الأول الذي حققه «داعش» العام الماضي بمقارنته بفريق كرة سلة مبتدئ يغرد خارج السرب. لكن لم يمض وقت طويل قبل أن يحكم التنظيم سيطرته على غالبية مناطق العراق الشمالية والغربية.
ولن تدخل الأحزاب الأقوى في سوريا في مفاوضات سلام بسبب وقوع المعارضة المسلحة تحت سيطرة «داعش» و«جبهة النصرة» و«أحرار الشام» وتنظيمات على غرار «القاعدة» التي تنوي قتل أعدائها لا إجراء محادثات معهم. أما الأسد من جهته فلا يبدي أي استعداد حقيقي لتقاسم السلطة مع أي طرف آخر، علماً أن تقاسم السلطة تنظيميا أو جغرافياً هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب الأهلية.
نفاق سياسي
وهناك نوع من النفاق السياسي في انتقاد أميركا لزيادة المساعدات الروسية لسوريا، برغم نفي الأخيرة الأمر، ذلك أنه لا أحد سيكون أكثر رعباً من واشنطن إذا سقط الجيش السوري، وآلت السيطرة للقاعدة و«داعش» في سوريا.
ويشكل الطلب الأميركي من اليونان منع روسيا من التحليق فوق أراضيها، وهي تنقل على الأرجح العتاد لمحاربة «داعش»، إشارة محبطة تدل على أن أوباما لم يتوصل بعد إلى سياسة عقلانية مقبولة في سوريا.
ويتباين موقف قادة الغرب من روسيا، فيرونها تارةً مجرد فأر الدبلوماسية الذي يمكن تجاهله بالكامل، وطوراً الاتحاد السوفييتي المنبعث من جديد، الذي ينبغي كبح مطامعه الامبريالية. ولا بد لروسيا من التعامل مع الأزمة السورية من خلال لعب دور رئيس في وقف «داعش» لأنها مزودة السلاح، كما ينبغي لها أن تؤدي دوراً مماثلاً في مفاوضات السلام، لأن الأسد يجب أن يبقى في صف روسيا إذا أراد النجاة.
ولا تقوى موسكو على لعب دور المهيمن في سوريا أو الشرق الأوسط، لذا فإن اللحظة غير مناسبة لإبداء ردود فعل تعود لحقبة الحرب الباردة. ومن دون انضمام روسيا إلى أميركا للضغط على حلفائهما داخل سوريا وخارجها والدفع نحو تسوية، فإن فصول الحرب ستتوالى، وسيظل المنتصر الوحيد «داعش» و«القاعدة».
أزمتان
في مايو الماضي، وبينما كان الجيش الأميركي يتباهى بما حققه القصف الجوي من وقف لتمدد التنظيم، سيطر مقاتلو «داعش» على مدينتي الرمادي في العراق وتدمر في سوريا.
ولا يزالون يحرزون تقدماً، وقد استولوا على بلدة القريتين التي تبعد 22 ميلاً فقط عن الخط السريع بين الشمال والجنوب، وألحقوا بنظام الأسد ضربةً موجعة، لاسيما بعد أن سيطروا على جزل، آخر حقول النفط الأساسية التابعة للنظام.
وتنبثق عن الحرب الأهلية الكارثية في سوريا أزمتان دوليتان، هما الهجرة الجماعية للاجئين السوريين إلى أوروبا، وتمدد رقعة انتشار «داعش»، الذي سيطر على نصف سوريا، وهو مرشح لاحتلال المزيد.
