يتمثل أحد الألغاز المتعلقة بوحشية «داعش» في تدمير آثار تدمر بأن الغضب العالمي إزاء قيام التنظيم عينه بقطع رؤوس وسفك دماء أسراه لم يصل إلى المستوى الذي فجرته الجريمة التي وقعت في تدمر.

والأبنية في النهاية يمكن إعادة تشييدها، خلافاً للضحايا البشرية، التي لا تحظى بفرصة ثانية. ويعترض «داعش»، في ظاهر الأمر، على المواقع الأثرية لأنها تسبق ظهور الإسلام تاريخياً، أما إذا تركنا جانباً التفسيرات الملتوية للتنظيم في إظهار رسالة الإسلام حيال موضوع الآثار وغيره، فإننا نلاحظ وجود مؤامرة أكثر خبثاً، تتم حياكة خيوطها على أرض الواقع.

ويعود جزء من هذه المسرحية الداعشية إلى القيمة الإعلامية التي يدرك التنظيم أنه سيحصل عليها حتماً، إزاء اللجوء إلى تدمير موقع أثري عالمي على نحو يضاهي تأثيره كثيراً سفك الدماء اليومي الذي اعتاد ارتكابه. إلا أن العامل الآخر يكمن في ما تمثله تدمر كموقع يجمع السوريون على اختلاف انتماءاتهم الطائفية على الاعتزاز به، كرمز قومي يظهر أنهم أبناء حضارة تعود إلى أربعة آلاف سنة من التاريخ البشري. لا يقتصر تدمير تدمر على تفجير أبنية، بل يمتد إلى محاولة القضاء على هوية سوريا كبلد.