يحلو لقادة الصين القول إنهم مفكرون على المدى البعيد، وإنهم يفكرون في إطار القرون وحتى الألفيات المقبلة، في حين أننا كغربيين حمقى نعاني من اضطراب نقص الانتباه الجماعي. إلا أن أحداث هذا الصيف جعلت المدى القصير ينال من الصين، ويطعنها في الظهر. وشهدت أسواق البورصة في كل من شنغهاي وشنزن، بعد أشهر من الصعود، انهياراً على الرغم من التدخلات المحمومة للسلطات.

ويمكن لأحدهم القول إن تلك الأمور قد تحدث في أي سوق ناشئ، وأن ما يهم العالم هو ما يحصل في واشنطن، وليس في بكين، لكن الصين أصبحت اليوم أكبر من أن يتم إغفالها.

تطمح الصين بشكل علني لأن تصبح قوة عظمى، وقد ركز الرئيس الصيني شي جينبينغ، قبيل القمة المقررة في واشنطن مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، على إبراز الصواريخ في استعراضات عسكرية مهيبة، إحياءً للذكرى السبعين لانتهاء الحرب العالمية الثانية. وقال جينبينغ في الاحتفال: «مهما بلغ حجم قوتها، فإن الصين لن تسعى مطلقاً إلى الهيمنة أو التوسع».

في إعلان قد يصدقه المراقبون الأميركيون، سيما وقد سبق الاستعراض الإعلان عن تخفيض قوام جيش التحرير الشعبي الصيني إلى حوالي 300 ألف عنصر فقط. لكن من قد يحتاج لجماعات الجنود المشاة بوجود صواريخ «دي إف 21» البالستية المضادة للسفن، التي تشكل تهديداً أساسياً للسيطرة الأميركية على المحيط الهادئ.

استبدلت الصين شعارها من «الصعود الهادئ» إلى «الحلم الصيني»، المصمم على ما يبدو للوقوف بوجه الحلم الأميركي. وقد جاء مدهشاً جهد جينبينغ لتعزيز قوة الصين المالية، كما أنه كان وراء وضع خطط أساسية لتوسيع نفوذ الصين العالمي، من خلال سياسة الإقراض الاستراتيجي، سيما لدول لا تحظى بمباركة أميركية. وما من شك اليوم بأن الهدف الصيني على المدى البعيد يتمحور حول الوقوف بوجه العملة الأميركية، الدولار.

ويجعل ذلك الواقع غريباً على الحكومة الصينية أن تعاني من فوضى اقتصادية. لكننا نحتاج إلى أن نفهم، أولاً، لماذا نشأت هذه الفوضى من الأهداف الاقتصادية المتبعة من قبل الحكومة، والمتناقضة بجانب منها، ثم علينا أن ندرك أن تلك التناقضات نفسها يمكن تفسيرها في إطار الصراع السياسي الداخلي.

وينبغي ربط التباينات التي تشوب السياسة المتبعة بالصراع الداخلي على السلطة الذي يعيشه جينبينغ، وقد سعى منذ توليه المنصب الأول في العام 2012 إلى إحكام قبضته على السلطة بشكل يضاهي أي قائد صيني آخر، منذ عهد القائد الصيني الأسبق دينغ شياو بينغ. وسعى جينبينغ، من أجل فرض سطوته على الحزب والجيش، إلى اللجوء لحملة مكافحة الفساد، كنوع من أنواع التضييق على خصومه السياسيين.

حصر العالم الخارجي تركيزه على الأسواق المالية الصينية المتراجعة، إلا أن الهشاشة الحقيقية اليوم سياسية لا مالية، حيث يحتدم الصراع على السلطة وراء الأبواب الموصدة.

ما من شك في أن جينبينغ يحقق انتصارات في المعركة السياسية، وقد أصبحت بعض المرجعيات تلقبه بـ «بالإمبراطور»، لكن لا يزال من غير الواضح كم ستطول الحرب الضروس، وما مدى الزعزعة الاقتصادية التي ستتركها كتأثير جانبي.

معادلة

تتجلى أهداف شي جينبينغ الاقتصادية في تحويل الاقتصاد من التصنيع إلى الخدمات، والتحول من الطلب الخارجي إلى الطلب الداخلي، والانتقال من النظام المالي التابع للدولة إلى القائم على السوق، زيادة استخدام الرنمينبي دوليا، وزيادة النمو بنسبة سبعة بالمئة، في معادلة شائكة.