غصت شوارع العراق، أخيراً، بموجات من المواطنين الغاضبين، في تحرك إن لم تتنبه الحكومة لحيثياته فقد يختطف البلاد، ويحول الأمور باتجاه اعتداء على الدولة العراقية نفسها.
غضب العراقيين اليوم مبرر، بعد أن ألقت الحرب والفساد بثقليهما على مسار الحياة اليومية في البلاد، التي أصبحت بغالبيتها خاضعةً لسيطرة "داعش". لكن، كما هي الحال في لبنان، دفع انقطاع التيار الكهربائي في ظل لهب الصيف العراقي الآلاف للاحتجاج. لكن التخوف الرئيسي في العراق هو أن يسير على خطى اليمن، التي اندفع أبناؤها في تظاهرات منادية بمطالب حياتية ضرورية، قبل أن يختطف الحوثيون التحرك ويزعموا التحدث باسمه في ادعاء كاذب.
لا تبرز أي مؤشرات اليوم توحي بانطفاء شعلة الاحتجاجات في العراق، على الرغم من إعلان رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أخيراً، عن إطلاق حملة إصلاحات واسعة، لم تخمد غضب المواطنين بل زادت مستوى احتجاجاتهم الداعمة للعبادي والمحفزة على دفعه باتجاه تسريع وتيرة تنفيذ الإصلاح.
لكن على الرغم من رفع التوقعات بإيجاد حل خوفاً من التغيير، لم يتضح بعد ما إذا كانت إصلاحات العبادي ستحصل بسرعة كافية لتهدئة ثورة المحتجين العراقيين.
ويشهد الوضع في العراق تصعيداً، شهد للمرة الأولى انضمام مؤيدي مقتدى الصدر إلى الحشود، أخيراً، في تظاهرةٍ هي الأضخم في بغداد هذا الصيف، رافقتها موجات خروج الصدريين إلى شوارع النجف والبصرة.
وتكمن الخطورة في أن يغير دخول داعمي الصدر على خط التظاهرات لغة الاحتجاجات المعترضة على أوضاع العراق وحصرها بطائفة واحدة.
يرفع تدفق أتباع الصدر إلى صفوف المحتجين من احتمال تحوّل دعم العبادي إلى التعبير عن غضب ضده، سيما إذا تعثرت الإصلاحات أو اصطدمت بمعارضة غير متوقعة. ماذا يحصل حينها؟
تمدد رقعة الاحتجاجات العراقية يخلق مساحة جديدة من سياسة الاحتجاج. إذا أخذت التظاهرات منحى المواجهة أو العنف، فسيتم تحريف مسار زخم إدارة العبادي. وسيتحول انتباه الحكومة والمتظاهرين نحو المواجهات عينها، بدلاً من الحزمة الإصلاحية المعلن عنها، أخيراً.
ولا يأتي مفاجئاً أن ينال تهميش الإصلاحات ترحيب جهات محددة، مؤيدة لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، قد تخسر منصب أحد نواب الرئيس الثلاثة.
وأشارت بعض التقارير إلى ضرورة تقديم المالكي للمحاكمة كأحد كبار الرسميين المسؤولين عن سقوط الموصل بيد "داعش"، أخيراً. وبما أن العبادي، منافس المالكي، يتمتع بسلطة رفض التقرير أو القبول به، فإنه من مصلحة المالكي الحتمية الحيلولة دون تنفيذ إصلاحات الحكومة الحالية المزمعة.
تسود العراق حالة من الغضب العارم. طالما اقتصر التركيز على إصلاح النظام السياسي العراقي، سيكون هناك فرصة لتنفيذ الإصلاح، ولو بشكل مناقض لتمنيات الطبقة السياسية المهيمنة في البلاد. لكن إذا تم تهميش الغضب الشعبي، فستأتي النتائج أوخم من الشلل السياسي.
