وصل الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى البيت الأبيض مصمماً على وضع حد للحرب على الإرهاب بدت غير قابلة للانتهاء. وتعهد بجعل سياساته المناهضة للإرهاب أكثر سرعة وشفافية وأخلاقية من تلك التي اتبعتها إدارة سلفه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش. أراد أوباما النأي بنفسه عن الإفراط في اعتماد القوة الذي طبع عهد بوش، وأدى إلى الغزو الكارثي للعراق عام 2003 في حرب ضمت حملة أميركية على تنظيم القاعدة.
وقد أشرف أوباما على مدى سنوات حكمه الماضية على نهج يعتمد بصورة أكبر على أعمال القتل الموجهة، وتقديم الدعم الأمني لقوات الجيش والاستخبارات للدول الشريكة والحليفة، وتشديد المراقبة الإلكترونية. وأطلق ولو بشكل متردد مبادرة مهمة لتحديد ومعالجة مسببات الإرهاب الكامنة. وقد أدت تلك الخطوات عموماً إلى تحسن ملحوظ عن الأوضاع في ظل إدارة بوش، إلا أنه، في نواحٍ مهمة، اتسمت علاقة برنامج مكافحة الإرهاب لبوش وأوباما بالتواصل بقدر ما تميزت بالتغيير.
في الاتجاه المعاكس
ويكمن أحد الفروقات المهمة في أنه بينما شابت طريقة بوش أحياناً مواقف شديدة العدائية، اقترف أوباما أحياناً أخطاء فادحة في الاتجاه المعاكس، وبدا قابلاً للجنوح نحو المثالية والتفكير بالتمني. وقد أعاق ذلك جهود إدارته لمكافحة تهديد الإرهاب، فعلى الرغم من جهود أوباما الحثيثة لتقويم ردّ واشنطن، يجد الشعب الأميركي نفسه اليوم في عالم أكثر غرقاً في الإرهاب مما كان أيام بوش. وتؤكد الحرب الأهلية والتوترات المذهبية وفشل الدول في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا استمرار توسع دائرة الإرهاب في المنطقة والعالم على الأرجح.
وتبقى الجدالات المتعلقة بالسياسات الأميركية لمكافحة الإرهاب تتمرغ بوحول الاتهامات والمشاحنات المتعصبة العقيمة في واشنطن. وأياً كان خلف أوباما فعليه أن يحدد ثمن سياسته وفوائدها بطريقة مغايرة. ففي مكافحة الإرهاب كما في السياسة الخارجية عموماً يسهل تقييم إخفاقات الرئيس السابق أكثر من ابتكار سياسات جديدة فاعلة، والحديث عن تغيير تحولي أسهل من تنفيذه.
الخطاب وجوهر التغيير
واتسمت بعض التغييرات التي قام بها أوباما بمنحى خطابي أو عكست تغيراً في التركيز أكثر مما شكلت خطوة جوهرية تغييرية حقيقية، سيما تلك التي استبدلت عبارة «الحرب العالمية على الإرهاب» من حقبة بوش، إلى حملة أوباما لـ«مجابهة العنف المتشدد».
ونظراً لفشل نهج أوباما المعتمد في منع بروز التنظيم، يحق لنا السؤال عن فعالية استراتيجية التصدي المحدثة لتقدم «داعش». علماً أنه يتعين أن يقتصر هدف واشنطن على احتواء التنظيم على غرار ما فعلت واشنطن إزاء الأنظمة التوتاليتارية المشابهة الأخرى. وعلى الرغم من حديث واشنطن عن تفكيك وهزيمة «داعش» والقضاء عليه، فإن استراتيجية أوباما الحقيقية تتمحور حول احتوائه، سيما من خلال الضربات الجوية وتدريب وتسليح بعض مناهضيه في العراق وسوريا، وتعزيز جهود وقف تدفق المقاتلين والعتاد إليه.
شكل نهج أوباما لمكافحة الإرهاب خطوةً في الاتجاه الصحيح ويصيب الرئيس المقبل في اعتبار مزيج القتل الموجه والمساعدة الأمنية والمراقبة المشددة وسائل منخفضة الخطورة. ويتعين عليه مواصلة اختبار السياسات الوقائية التي تمثل مبدئياً الوسيلة الأمثل لمكافحة الإرهاب على المدى الطويل، الذي لا يمكن القضاء عليه من خلال القوة، كما لا يمكن التعاطي معه من خلال القوة الناعمة وحدها.
لا تنفك وتيرة التهديدات تتزايد مستدعية بذلك رداً متواصلاً يواكب تناميه، وأهم ما يتعين على الرئيس المقبل تعلمه من سنوات حكم أوباما هو مقاومة إغراء تبديل سياسة مكافحة الإرهاب لأجل التغيير وحسب، أو المساعدة في التميز عن سلفه في البيت الأبيض، حيث إنه في مجال مكافحة الإرهاب، كما اكتشف أوباما، تقتصر مساحة واشنطن على المناورة على ديناميكيات الإرهاب نفسه، والاستقطاب الدؤوب لأفكار التشدد، وحدود قدرة الدولة على مواجهة التحركات الاجتماعية والسياسية المعقدة التي تعززها تلك الأفكار.
