يقوم لبنان منذ استقلاله قبل 72 عاماً على نظام سياسي يقتسم أبناؤه المناصب الحكومية العليا بناءً على نظام المحاصصة المعتمد على الطائفة، فيحتل، على سبيل المثال، منصب رئيس الجمهورية مسيحي، ورئيس مجلس الوزراء سني، ورئيس مجلس النواب شيعي. وقد صمد هذا النظام طويلاً، على الرغم من الصراعات الطائفية العنيفة التي عصفت بلبنان والحرب الأهلية التي دامت زهاء 15 عاماً.
إلا أن الأسابيع القليلة الماضية كانت شاهدةً على تحرك ضم عشرات الألوف من اللبنانيين من كافة الطوائف، وطالبوا في سياق احتجاجات سلمية بنظام يقوم على المساواة بين الجميع.
وانطلقت شرارة الاحتجاجات في 17 يوليو الماضي، بعد أن فرض المواطنون الذين يقطنون بالقرب من مطمر بيروت الرئيسي إقفاله بالقوة. وأخذت النفايات منذ ذلك الحين تتكدس في شوارع العاصمة اللبنانية، في ظل عجز الحكومة المنشغلة بالنزاعات الداخلية بين الطوائف عن إيجاد حل للأزمة الوليدة. وبناءً عليه، أسس ناشطون من مختلف تيارات المجتمع المدني لحركة احتجاجية منددة بفساد السلطة تحت عنوان «طلعت ريحتكم». وطالبت الحركة باعتماد الشفافية والمحاسبة وشددت ضمن أبرز مطالبها على إنهاء التوزيع الطائفي للحصص في الحكومة.
وسعى المتظاهرون إلى وضع حد لحالة الخوف التي تقسم أبناء الطوائف الثماني عشرة في لبنان. ويعمد العديد من القادة الدينيين في لبنان إلى تذكية شعور الخوف من أصحاب الديانات الأخرى بهدف التلاعب بالمناصرين واحتكار أصواتهم والحفاظ على نظام الوصاية والمحسوبيات.
وأدى الوضع القائم إلى تجمد الحياة السياسية في لبنان، الذي يعيش منذ أكثر من عام بغير رئيس للجمهورية، في حين أن المجلس النيابي يعيد التمديد لنفسه.
وتجلت إحدى السمات البارزة التي طبعت حركة التظاهرات الاحتجاجية، التي عمت ساحة رياض الصلح في بيروت على مقربة من السراي الحكومي الممثل للسلطة التنفيذية في لبنان، بأنها خلت من رفع الشعارات والأعلام الحزبية أو تلك الدالة على انتماء ديني معين، لتنحصر بالعلم اللبناني دون سواه، في دلالة هامة على وحدة المصيبة الجامعة.
يحاول المنظمون من خلال اتكالهم على وسائل التواصل الاجتماعي تفادي أخطاء أحداث الربيع العربي، التي سبق أن انطلقت عام 2011، وامتدت على مساحة عدد من دول المنطقة. كما يسعون إلى التأسيس لحركة مستدامة تضمن الثبات وعدم حصول العنف، ويطمحون في ظل احتشاد اللبنانيين في صفهم إلى الدفع نحو إجراء انتخابات مبكرة، على أمل كسر الأنماط الانتخابية القديمة القائمة على التبعية الطائفية.
قادت احتجاجات غير طائفية مشابهة في العراق الصيف الماضي، إثر موجة انقطاع التيار الكهربائي ووقف عمل مكيفات الهواء، الحكومة العراقية إلى إطلاق إصلاحات أساسية في البلاد، تتعلق في غالبيتها بالحد من الفساد. ويسعى المتظاهرون في كل من العراق ولبنان إلى الالتفاف تحت راية المواطنة القائمة ليس على توازن القوى أو العداوات الطائفية، بل تلك التي تمثل التعاليم الدينية الجوهرية التي تنادي بالمساواة بين الأفراد. إنه درس مهم ينبغي التعلم منه، بينما تعاني المنطقة من وجود جماعات مسلحة متشددة مثل «داعش». ينبغي النظر للمعتقد الديني على أنه عامل للتوحد، وليس سلاحا للتفرقة.
حس مفقود
لا تنحصر سلة المشكلات اللبنانية بتراكم النفايات، بل تتعداها إلى أزمة انقطاع الكهرباء والماء. وقد فشلت الحكومة المفتقدة لحسّ الهوية الوطنية القائمة على إيثار الصالح العام في تشييد البنى التحتية للبلاد والحفاظ عليها.
