شهد شرق المتوسط في الآونة الأخيرة تطوراً مهما يحمل عدداً من الدلالات تمثل بدخول الجيش الروسي على خط محاربة الإرهاب في سوريا. ومع أن روسيا كانت غائبة عن المشهد الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وعلى الرغم من تقدمها الحذر، فقد شكلت لجنة عسكرية روسية سورية، وبدأت تزويد النظام بالأسلحة، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وإرسال المستشارين، في ظل نوع من التنسيق بشكل أو بآخر مع البيت الأبيض.
اضطرت روسيا، بعد مناقشة التحالف الإقليمي ضد "داعش" مع كل السعودية وسوريا وتركيا، للتخلي فجأة عن استراتيجيتها بعد تملص تركيا من التزاماتها وقرارها تقليص علاقاتها بموسكو وإلغاء عقد إمداد خطوط الغاز الموقع بالشراكة مع أوكرانيا، من دون سبب حقيقي. كما ساعدت تركيا "داعش" في قتال الأكراد من حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردي.
وأجبر البيت الأبيض على تبديل استراتيجيته الخاصة عقب المناورات، التي قام بها الجنرال جون ألن ،الذي أعان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تشكيل "منطقة آمنة " خالية من "داعش" في شمال سوريا.
وقد اتفقت كل من موسكو وواشنطن، أخيراً، على إزالة صواريخ الباتريوت المتمركزة في تركيا، وإنشاء لجنة عسكرية روسية سورية.
منطقة حظر جوي
نشر حلف "ناتو" صواريخ باتريوت في تركيا عام 2013 لمنع القوات الجوية السورية من الانتشار على الجبهة. وتمكنت جبهة النصرة من احتلال شمال البلاد وباتت منطقة الحظر الجوي تخضع لسلطة "داعش" في صيف 2014.
لذا لم تتمكن القوات الجوية السورية أثناء معركة عين العرب من قصف "داعش"، فحاولت سوريا القيام بتحرك بري للوصول إلى المدينة. لكنها لم تتمكن من إحراز تقدم في المرحلة الأخيرة، وتم تصوير القوات الكردية على أنها مستقلة عن دمشق، علماً أن سوريا كانت تمدها بالأسلحة وتدفع رواتب جنودها.
دخول الدب الروسي
مع أن روسيا امتنعت عن المشاركة في العمليات العسكرية منذ بداية الصراع في سوريا، إلا أنها عمدت اليوم إلى تشكيل لجنة عسكرية روسية سورية، ومع ذلك كان حلف "ناتو" يقف وراء تنظيم كافة الأحداث المتعلقة بما يسمى "الربيع العربي"، بما في ذلك الحرب في سوريا، وقام بالتنسيق مع مجموعات المتشددين الأجانب ومعاونيهم الليبيين والسوريين، من قاعدة إزمير التركية.
وزود الجيش الروسي للمرة الأولى سوريا بصور الأقمار الصناعية، في قرار بقي قيد الانتظار خمس سنوات وقلب الأوضاع العسكرية، حيث نجح المتشددون في الهرب من الجيش السوري بفضل صور الأقمار الصناعية التي كان يؤمنها حلف "ناتو" في الوقت الفعلي، علماً أنه لم يكن يتبادل المعلومات الاستخبارية خلال ستة أشهر مع "داعش"، بل مع جبهة النصرة وحسب.
أخيراً، بات المستشارون العسكريون الروس يملكون سيلاً من المعلومات التي يستخدمونها في دراسة احتمال تنفيذ انتشار دولي تحت راية الأمم المتحدة. وعليهم لذلك تقديم تقرير للكرملين الذي سيبحث كذلك إمكانية تنفيذ عملية روسية، إضافة إلى عملية مشتركة مع منظمة معاهدة الأمن الجماعي.
حدود التعاون الروسي الأميركي
إلا أنه وفي جميع الأحوال يحدّ التعاون بين الكرملين والبيت الأبيض عدد من القيود، فروسيا تريد أن تستأصل المتشددين قبل أن ينقلبوا ضدها، في حين تأمل الولايات المتحدة إعادة توظيف بعضهم في صراعات أخرى، كما كانت الحال سابقاً في كل من أفغانستان والبوسنة والهرسك والشيشان وكوسوفو. وقد سبق لبعض عناصر تنظيم "داعش" أن وصلوا إلى خيرسون في أوكرانيا، حيث توجد "حكومة القرم في المنفى".
من الواضح أنه من الجانب الأميركي يعتبر سحب صواريخ باتريوت مجرد فخ. وواشنطن ستكون سعيدةً إذا قلصت روسيا عدد المتشددين الناشطين، إلا أنها لن تكون مذعورة لعدم تمكن روسيا من التقدم في الوحول السورية. وهذا هو تماماً السبب الذي يدفع الدب الروسي إلى التقدم بحذر.
