قصفت طائرات النظام السوري، أخيراً، سوقاً للخضار في دوما، إحدى ضواحي دمشق الخاضعة لسيطرة المعارضة، فقتلت ما يزيد على 100 مدني سوري، فيما أصيب أكثر من 300 شخص. الضحايا معظمهم من الأطفال الذين طالتهم الضربات الأعنف منذ نشوب الحرب الدموية.

وتتفوق هذه الواقعة بوحشيتها المدموغة بختم النظام على تلك التي ارتكبت في إحدى ضواحي دمشق الأخرى، الغوطة تحديداً، التي تعرضت قبل عامين تماماً، ومن قبل نظام الرئيس السوري بشار الأسد عينه، لاعتداء بالأسلحة الكيمياوية ذهب ضحيته المئات.

وفيما يتعلق باعتداء دوما، أبدت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما رد فعل غاضباً، فاستنكرت ما حدث بشدة، وتقدمت بالتعازي لعائلات الضحايا، ووجهت نداءً للمجتمع الدولي للقيام «بالمزيد من الجهود للتوصل إلى حل انتقالي حقيقي في سوريا».

المنتصر الأوحد

من الواضح أن مسألة الانتقال السياسي الحقيقي في سوريا ليست قريبة المنال، علماً أن كل ضربة جوية يشنها نظام الأسد تعمق الشقاق أكثر بين السوريين. والمنتصر الوحيد الواضح في مجزرة دوما هو تنظيم «داعش»، وعلى رأسه أبو بكر البغدادي، السفاح المسؤول عن تجنيد المقاتلين المقبلين إليه بفعل الفظاعات الأسدية والصمت الغربي.

ويدرك الأسد وإيران تماماً ما الذي يفعلانه بتقوية «داعش»، في حين يقف الغرب مكتوف الأيدي.

ويتعين على أوباما الذي أعلن أن هدفه «دحر وإزالة» تنظيم «داعش» من الوجود أن تحضه أعمال الأسد الوحشية على تجاوز الخطاب البالي عينه، إلا أنها لا تفعل ذلك، والسبب هو إيران التي تغذي استراتيجية الرئيس السوري الوحشية، وتنعم بمغازلة الإدارة الأميركية لها في آن.

تبنت إدارة أوباما في سعيها منفرد الهدف لعقد الاتفاق النووي مع إيران سياسة حيال سوريا حافلة بالخطب الفارغة وخالية من أي تحرك فعلي.

فحتى يونيو 2014، حين استخدم «داعش» قواعده في سوريا لاجتياح معظم العراق، كانت الإدارة الأميركية تتبع نهج التجاهل المعتاد لديها ولدى أوروبا حيال مأساة الشعب السوري، لتفادي واقع أن الأسد أمعن في تقويض مصداقية البيت الأبيض، وتجاهل كلام أوباما الفارغ حول فقدانه للشرعية وحديثه المتراخي عن «الخطوط الحمر» الكيمياوية وعدم تخطيها.

اهتمامات ضيقة

اقتصرت اهتمامات الإدارة الأميركية على عقد اتفاق نووي مع إيران يعزز إرث أوباما السياسي، في واقع افترض السكوت والامتناع عن كل ما يثير استياء طهران، أو يقف بوجه استراتيجية الأسد القائمة على ارتكاب الجرائم الجماعية. وتشير بعض الفرضيات إلى أن إغضاب إيران قد يؤدي إلى خروجها من المفاوضات والتضحية بالوفرة النقدية المتأتية من رفع العقوبات والاستثمار الأجنبي المباشر.

لقد ساهمت سياسات إيران في سوريا والعراق بجعلهما ملاذاً آمناً للمتشددين، فيما تسعى إدارة أوباما اليوم لإقناع الكونغرس بأنها لا تتعامى عن ممارسات طهران في سوريا والمنطقة، لكن تحسين فرص أوباما يقتضي أن يدرك حقاً أن إيران ليست حليفاً أو داعماً أو متعاوناً في الحرب ضد «داعش»، وأنها تعزز بشكل علني في سوريا ثروات التنظيم عبر تسهيل استراتيجية بقاء العميل القائمة على المجازر.

يتعين على وزير خارجية أميركا جون كيري أن يطالب طهران بوقف قصف البراميل المتفجرة ورفع الحصار والتجويع عن السوريين. يتشارك الأسد والبغدادي هدفاً واحداً، فكل منهما يريد أن يكون واحداً من المقاتلين الأخيرين الصامدين في سوريا. ولهذا السبب يتفادى أحدهما الآخر، ويركز على إزاحة البدائل.

ويعتبر في ضوء الأحداث منح حصانة للأسد أو طهران حيال ما جلبته الحرب على سوريا أكثر من مجرد فشل أخلاقي، بل إيذاء ذاتي متعمد في الحرب على «داعش». يوجه السوريون المفجوعون على موتاهم في دوما صرخة إلى العالم المتحضر طلباً للحماية، ويعرض تجاهلهم لخطر دفعهم إلى أحضان «داعش».

لعل قادة الغرب لا يتأثرون بشكل مخجل بالقضية الأخلاقية لحماية المدنيين السوريين، إلا يجب أن يحفزهم على الأقل واقع أن كسب الحرب ضد «داعش» يتطلب منع الأسد وإيران من مساعدة العدو وتطمينه. وقد يساعد ذلك أيضاً في إقناع عدد كافٍ من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الأميركيين لدعم الاتفاق النووي مع إيران، الذي دفع السوريون غصباً ثمنه غالياً.