لقي ما يزيد على ألفي شخص حتفهم، في الأشهر القليلة الماضية، أثناء محاولتهم عبور البحر المتوسط، ويشكل هؤلاء الضحايا الأبرياء مزيجاً من اللاجئين الأفارقة والسوريين والأكراد والعراقيين، من رجال ونساء وأطفال من كافة المشارب والأطياف، ينطلقون هائمين في ليبيا.

وقد اعتادت حكومة الرئيس الليبي السابق معمر القذافي كبح مثل تلك التحركات. إلا أن الحرب المجنونة التي شنها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون قد حولت القضية التي استمرت طويلاً إلى مأساة لا تحتمل.

وتتنوع ردود الفعل في أوروبا بتنوع المواقع الجغرافية، حيث تبدي الدول الأبعد إلى الشمال والشرق أقل اهتمام بمشكلة اللاجئين. أما في إيطاليا واليونان فقد اتخذت المسألة بعداً قومياً.

وحين احتسب البيروقراطيون في بروكسل كيفية توزيع الحشود على دول أعضاء الاتحاد الأوروبي، تبين أن المراكز المضيفة الأقرب سيغزوها اللاجئون. ومن الواضح أن اليونان لن تتمكن من مواجهة الوضع، الذي مهّد الطريق لجميع أنواع النزعات الشعبوية في إيطاليا.

وقد وجه الأسقف الإيطالي نونزيو غالانتينو، أخيراً، خطبة شديد اللهجة للسياسيين: «الذين يضعون خططهم بناءً على لون بشرة اللاجئين، فيما يفعلون القليل لمساعدتهم». وجاءت الخطبة عقب تصريح البابا فرنسيس بأن: «عدم مساعدة اللاجئين أشبه بارتكاب جريمة».

وقد صدمت الطبقة السياسية في إيطاليا بهذا التحذير، ودفع خجلها السياسيين وبعض المحللين إلى التفكير بكيفية وضع حد للمشكلة. وبات من الواضح لجميع المراقبين أن أي حل لأزمة المهاجرين يجب أن ينطلق من ليبيا، حيث يقف غياب الدولة المنظمة، ووجود كافة أنواع الجماعات المتشددة عائقاً بوجه أي تقدم. ويستدعي ذلك تدخلاً عسكرياً دولياً بين الحين والآخر، لكن هل يعتبر ذلك كافياً؟

قادت الحكومة الإيطالية تحركاً دبلوماسياً أعقبه إصدار بيان من الحكومات الفرنسية والإسبانية والإيطالية والبريطانية ينص على توفير كل ما يلزم لمبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، برناردينو ليون، لإنجاح مهمته التوفيقية.

لكن إضافةً إلى وجود حكومتين في ليبيا، يجب ألا ننسى أن هناك 150 قبيلة، وثلاثة آلاف مقاتل أجنبي. حين يأخذ المجتمع الدولي هذا الواقع في الاعتبار فقط ستحظى قوات حفظ الاستقرار التابعة للأمم المتحدة بفرصة تحقيق بعض النتائج، لا سيما أنه بات معروفاً أن الغارات الجوية وحدها لم تنه الصراع مطلقاً.

قد يكون لإيطاليا، على الرغم من القوات العسكرية المحدودة لديها، دور خاص تلعبه في مسيرة التصالح، نظراً لمعرفتها التقليدية بالبلاد. وستكون لذلك ثلاث فوائد، على الأقل، حيث يمكن أولاً لمثل هذا التحرك أن يوقف تدفق المهاجرين نهائياً، وقد تتمكن إيطاليا ثانياً من أن تكون أول من يستفيد من فرصة إعادة استخراج النفط.

كما أنه ثالثاً قد يمنح إيطاليا دوراً لم تتمكن من تأديته في أزمة اليونان، حين كانت بالكاد تستطيع مواجهة ألمانيا.

لن يساهم التحرك الإنساني البسيط على المستوى الأوروبي إلا في حل القضايا المحدقة، إلا أنه لا بد من القيام بتحرك حاسم يعالج جذور المشكلة في إفريقيا عموماً والشرق الأوسط طبعاً، علماً بأن تلك قضايا طويلة الأمد.

ينبغي التحرك كذلك من نقطة الانطلاق، بحيث تمتد التأثيرات لتطال وقف الإرهاب المتنامي في المنطقة. لقد حان الوقت لمنح إيطاليا الدعم السياسي الذي تحتاج إليه للمضي قدماً في تنفيذ الخطة.