إنه توازن رعب، عليك بقصف دوما في ضواحي دمشق لتحمي المدنيين في كفريا والفوعة في محافظة إدلب. علم المعارضين أن الحكومة السورية ضارية كعهدها، وأنها لن تتحمل تهديدا لإمدادات مياه العاصمة السورية، أو انفجار قنابل هاون المعارضة في قلب المدينة، وتدفع دوما الثمن.
سقط 100 قتيل تحت قنابل سلاح الجو التابع للنظام السوري، ثم حدثت غارة ثانية بينما كان عمال الإنقاذ لا يزالون يبحثون عن ضحايا الغارة الأولى. ذلك هو ما فعله الإسرائيليون عندما قصفوا بيروت الغربية في صيف 1982. ترى من يتعلم ممن في الشرق الأوسط؟
ولكن في الحروب الأهلية يتعلم الجانبان أحدهما من الآخر، وبالنسبة للمعارضة في سوريا، وتحديد ما تعنيه المعارضة هو أمر صعب بما فيه الكفاية هذه الأيام، فإن هجوم النظام على دوما كان عملا وحشيا بلا سبب، وصل إلى ذروته في قصف سوق محتشد بالناس.
رد غاضب
وبالنسبة للنظام، كان هذا الهجوم ردا غاضبا على قذائف الهاون التي انفجرت في قلب دمشق قبل ذلك بخمسة أيام، مما أسفر عن مصرع ستة أشخاص، والأخطر من ذلك أنه أشار إلى أن الحكومة السورية ليس بمقدورها حماية ناسها في قلب عاصمتها.
ولكن كانت هناك أسباب أخرى لسفك الدماء، فمنذ سقطت مدينة إدلب في أيدي المعارضة في شمالي سوريا في مارس الماضي، خضعت قريتا كفريا والفوعة الشيعيتان للحصار. وتعرضتا خلال الأيام القليلة الماضية لقصف مستمر بالهاونات، ويخشى النظام أن السكان البالغ عددهم أربعين ألفا، المقيمين في هاتين القريتين المحاصرتين سيتعرضون للمذابح إذا اقتحمتهما قوات ميليشيا «جيش الإسلام»، وهكذا فإن المعادلة القاسية تمضي على النحو التالي: ارفعوا الحصار عن هاتين القريتين وابقوا على سكانهما، وهم جميعا تقريبا من أنصار الرئيس السوري بشار الأسد، وعندئذ سينتهي تدمير دوما بصفة مؤقتة على الأقل.
هكذا تمضي الحرب الأهلية، فليس هناك أخيار باستثناء المدنيين بالطبع، وكلما اشتدت خشية كل طرف، تعاظم الضرب المنصب على الأبرياء.
موارد مائية
وتتدفق موارد دمشق المائية من الزبداني، حيث ينطلق القطار البخاري القديم إلى تلال القلمون، وقد خشيت القوات السورية على امتداد أسابيع من أن مقاتلي« جبهة النصرة »في المنطقة قد يقطعون المياه عن العاصمة، وكانت هناك محاولات بلا جدوى لتأمين وقف محلي لإطلاق النار حول الزبداني، غير أن الهدنة فشلت، وتدفع دوما الثمن.
وفي غضون ذلك، فإن تنظيم “داعش” يهدد أيضا حياة الأبرياء بعد أن استولى على بلدة القريتين إلى الجنوب الغربي من تدمر، حيث احتجز 230 مدنيا مسيحيا كرهائن. وقد تحرك الجيش السوري الذي فقد تدمر في مايو الماضي، إلى الأمام مجددا وتحصن بجزء من المدينة الرومانية الأثرية، ويمكن لطلائع القوات السورية الآن أن تشاهد الأطلال الشهيرة. ولكن “داعش” يهدد بإعدام الأسرى المسيحيين إذا تقدم الجيش السوري أكثر من ذلك، وهكذا فقد أبدلت خطط عمليات استعادة تدمر.
وإلى الشمال استولت «جبهة النصرة» على بعض الأراضي، بعد أن كانت قد وضعت يدها على جسر الشغور أوائل العام الجاري، ومنذ ذلك الحين استولت النصرة على العديد من القرى التي كانت الحكومة السورية تسيطر عليها، والتي زرتها في يونيو الماضي، وأصيب العقيد الذي أجريت مقابلة معه هناك بجراح خلال المعارك وقتل ضابط آخر كنت قد التقيته أيضا.
ويواجه الجيش السوري القتال على أكثر من 80 جبهة منفصلة، بحسب تقديرات العسكريين هناك، وفي بعض الحالات لا تزيد الجبهة الواحدة على عدة آلاف من الأمتار. والدروس المستفادة من الحرب العراقية الإيرانية الممتدة بين عامي 1980—1988 لا يستفاد منها بسهولة في الحرب الدائرة بين الجيش ورجال العصابات في سوريا.
فرص محدودة
فيما يتعلق بنداءات الأمم المتحدة المتكررة لإنهاء قتل المدنيين، فإن فرص الاستجابة إليها محدودة تماما، كفرص الاستجابة للنداءات الأجنبية لإيقاف الحرب نفسها، وسفك الدماء في دوما لم ينته تماما كسفك الدماء في دمشق.
