يبدو أن اثني عشر عاماً من العمل السياسي المحتدم والنزعة الطائفية وإساءة الإدارة قد وصلت إلى ذروتها في العراق أخيراً، فدرجات الحرارة المرتفعة والهجمات الإرهابية اليومية لم تمنع أبناء الشعب العراقي من الخروج إلى الشوارع وإعلان أنه قد شهد ما فيه الكفاية، وأنه يتعين على رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن يحل البرلمان ويطارد السياسيين الفاسدين ويقدم الخدمات العامة للشعب.
يمثل النداء الذي وجهه الشعب العراقي للعبادي بتنفيذ إصلاحات شاملة، والذي دعمه تأييد السيستاني المطلق لرئيس الوزراء تفويضا لم يسبق منحه لسياسي آخر في تاريخ العراق الحديث، وإذا نجح العبادي في مهمته التي تبدو مستحيلة، فإن التاريخ قد يسجله باعتباره نيلسون مانديلا العراق. وفي الحقيقة أنه بينما شنت حروب عديدة في العراق، فإنه لم تشن حرب بمثل هذه الجرأة على أخطر المشكلات الكامنة المتمثلة في الفساد السياسي المتجذر في العراق.
ويشكل إعلان العبادي في التاسع من أغسطس إطلاق سلسلة من الإصلاحات غير المسبوقة، بما في ذلك إلغاء بعض أرفع المناصب في النظام الاتحادي العراقي، في محاولة لإنهاء نظام الحصص الطائفية- يشكل منعطفا بالغ الأهمية في تاريخ العراق السياسي ومستقبله.
وإذا اعطى رهان العبادي ثماره المرجوة، فإن التاسع من أغسطس 2015، قد يتم تذكره باعتباره يوما فذا في تاريخ العراق يعادل التغيير الفعلي للنظام في التاسع من ابريل 2003.
جاء إعلان العبادي ردا على الاحتجاجات الشاملة على امتداد العراق التي تمثل شريحة كبيرة من المجتمع العراقي، والتي أعربت عن السخط إزاء عجز الحكومة الفيدرالية عن تقديم الخدمات الأساسية مثل الكهرباء منذ تغيير النظام في 2003.
ويمكن أن يعزى جانب كبير من هذا الفشل إلى تفاقم الفساد والافتقار إلى الكفاءة وسوء الإدارة والنزعة الطائفية التي هيمنت على المشهد السياسي العراقي منذ2003، وكانت الاحتجاجات الأخيرة موجهة إلى البرلمان والحكومة والمجالس المحلية في ضوء التراجع التدريجي والمنتظم في مستويات المعيشة وسوء الخدمات العامة.
وقد تصاعدت التظاهرات من التظاهر أسبوعيا إلى التظاهر يوميا الأمر الذي فرض ضغطا لا يحتمل على العبادي والبرلمان العراقي للتحرك على وجه السرعة وإلا واجه انتفاضة شعبية لا يستطيع العراق تحملها. وفي ضوء وضع البلاد المتردي، وبذلها لجهد مكثف لإلحاق هزيمة بـ«داعش»، فإن الموقف بدا أكثر خطورة.
رهان مفتوح
وقد مثلت إجراءات العبادي الإصلاحية الأخيرة رهانه المفتوح واندرجت خطوته على نحو بارع تحت دستور 2005، وعلى وجه التحديد المادة 78 منه التي تسمح لرئيس وزراء بأن يطبق على الفساد من خلال سلسلة من الإجراءات الحازمة.
وكانت أبرز هذه الاجراءات إلغاء مناصب نواب الرئيس ونواب رئيس الوزراء وتجريدهم من امتيازاتهم، وعلى الرغم من أن العبادي كان بمثابة مرشح حل وسط لشغل منصب رئيس الوزراء ونظر إليه على انه التكنوقراطي الناجح منذ تغيير النظام، إلا أنه في ضوء دعم السيستاني له، فإن رهانه يبدو أنه يشكل أكثر آمال العراق تألقا في التخفيف من المعاناة وإعادة الكرامة إلى العراقيين.
تحسين البنية
ولن تكون إصلاحات العبادي علاجا شاملا لحاجة العراق الملحة للخدمات الأساسية، فالأمر سيستغرق بعض الوقت لتحسين البنية التحتية للعراق في مجال الطاقة، وعلى الرغم من العجز المالي العراقي الكبير، فإن الحاجة ستمس للقيام بمزيد من الجهد على المستويين الاتحادي والمحلي لدعم الأسعار لتخفيف حدة وقع الزيادات في الأسعار العائدة الى الاستثمار في البنية التحتية للطاقة.
ويجمع المراقبون على أن رهان العبادي هو أول لحظة صدق للعراق منذ تغيير النظام في 2003، ذلك أن الفساد سمة سائدة في البلاد، وبصفة خاصة بدل تحول من أسلوب الاقتصاد الاشتراكي المركزي إلى أسلوب رأسمالي اتحادي، غير أن التنظيم السليم والإدارة العامة المتسمة بالكفاءة والإعداد السليم للموازنة، كل ذلك يساعد على ضمان تقديم الخدمات الأساسية وتوفير الأمن، وهما الأمران اللذان يحتاج العراق إليهما على نحو مؤلم منذ عام 2003.
رهان
لقد رفع الشعب العراقي أخيرا صوته عاليا بطريقة موحدة ومنسقة، وضم صفوفه إلى رجال الدين ذوي الحضور القوي في البلاد في إلقاء اللوم على كاهل السياسيين الفاسدين والمفتقرين إلى الكفاءة في بغداد. والعبادي يعرف نبض العراق بشكل جيد، بما فيه الكفاية لإدراك أن الوقت الضروري للتحرك الحاسم هو الآن من أجل العراق وشعبه، وبهذا المفهوم، فإن رهانه لا بد أن يكلل بالنجاح.
