تواصل الحرب في سوريا والعراق تصدر العناوين الرئيسية لصحف العالم، ولكن دفقاً متزايداً من الأخبار يشير إلى أن ليبيا دولة تعيش حالة من الانهيار. وفي القاهرة، قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أخيراً، إنه ناقش الحاجة إلى «زيادة التعاون الحدودي» على طول الحدود المصرية مع ليبيا. وبدأت تونس ببناء حائط أمني يمتد على طول الحدود مع ليبيا التي يبلغ امتدادها مئة وأربعة أميال.

وانخرط المـــــقاتلون الذين تدربوا مع تنظيم «داعش» في ليبيا في عملية اغتيال نحو عشرين سائحاً أجنبياً في متـــــحف تونس في مارس الماضي، إضافة إلى نحو ثمانية وثلاثين سائحاً معظمهم من البريطانيــــين في منتجع على شـــاطئ البحر في تونس أيضاً. وركزت هذه الهجمات الانتباه على أن ليبيا الغنية بالنـــــفط، ذات العدد القليل من السكان، والتي تملك ساحلاً طويلاً مطلاً على البحر المتوسط أصبحت جزءاً مما يطلق عليه تنظيم «داعش» اسم الخلافة.

تزايد الهجرات

وفي ظاهرة موازية، فإن عصابات التهريب المسلحة في ليبيا هي التي تقود معظم الهجرات غير الشرعية التي تنطلق عبر المتوسط إلى أوروبا. ويُعتقد أن نحو مئة وسبعين ألف شخص عبروا المتوسط قادمين من ليبيا، حيث توفي ألوف منهم خلال ذلك، ولاتزال أعداد غير مسبوقة تعبر المتوسط العام الجاري، مستغلة الفوضى الحاصلة في ليبيا.

وقبل خمس سنوات فقط، كانت ليبيا مصدراً للاستقرار في المنطقة، وذلك عندما كان الرئيس الليبي معمر القذافي يدخل العقد الخامس في منصبه. وفي فبراير من عام 2011، وبعد فترة قصيرة على الثورة في مصر، أطاح الثوار الليبيون الموجودون في بنغازي بقوات الأمن النظامية وحرروا بالفعل النصف الشرقي من البلاد. واستولى المتطرفون المقاتلون في ليبيا الذين عادوا من جبهة القتال في العراق وسوريا، إضافة إلى متطرفين من دول أخرى على مدينة درنة الشرقية، وادعوا أنها أصبحت تابعة لتنظيم «داعش».

وبمحاكاة أسلوب رفقائهم في الرقة والموصل قاموا برجم وقطع رؤوس من يتهمون بأنهم جواسيس أو يخالفون السلوك الإسلامي. والمليشيا المنافسة الموالية لتنظيم القاعدة شنت وربحت معركة من أجل السيطرة على المدينة. وخسر تنظيم «داعش» مدينة درنة، ولكن خلال الأشهر القليلة الماضية استولوا على مدينة سرت والمناطق المحيطة بها في منطقة «الهلال النفطي» الليبي، وبدؤوا بشن هجمات على الدفاعات الخارجية لمدينة مصراتة.

ويتقدم «داعش» وسط حرب أهلية تتقاتل فيها الميليشيات والقبائل ضد بعضها بعضاً على امتداد البلاد. وشنت الحكومة المتمركزة في الشرق، في مواجهة الحكومة التي تدعمها المليشيات في طرابلس، سلسلة هجمات جوية ضد سفينتين على الساحل الشرقي للبلاد، ما أدى إلى غرق إحداهما وكانت محملة بالمتطرفين والسلاح.

مساع نحو الاستقرار

وتعتبر مدينة بنغازي منطقة حرب، حيث المليشيات تدعم كلتا الحكومتين وتتقاتل يومياً. ودمرت مناطق عدة من المدينة، وقضى مئات الألوف في القتال، ولا يجب التغافل عن عامل وكلاء الحرب الإقليميين.

وفي العام الماضي، عقدت الأمم المتحدة وحلف «ناتو» والاتحاد الأوروبي آمالاً بتحقيق الاستقرار في ليبيا من خلال ممثل الأمم المتحدة الخاص بيرناردينو ليون، وعقب أشهر من الدبلوماسية المكوكية، تمكن ليون من تحقيق اتفاق سلام مؤقت يدعو إلى وقف لإطلاق النار، واتفاق لتقاسم السلطة بين الحكومات المتناحرة في ليبيا، وجدول زمني لعقد الانتخابات، ونشر قوات دولية لحفظ السلام.

وكان الرئيس الليبي معمر القذافي قد حذر قبل شن الهجمات الأولى لحلف «ناتو» عام 2011، من أن تنظيم القاعدة ومتطرفين آخرين سيستفيدون من الثورة التي قامت لإسقاط حكومته، وبالنظر إلى ما حدث منذ ذلك الحين يبدو أن من الأهمية بمكان القول إن القذافي كان على حق.