هل تعد سنغافورة أنجح المجتمعات منذ بدء التاريخ الإنساني؟ أو إذا شئنا التعبير عن الأمر بشكل آخر: هل حسنت سنغافورة مستويات معيشة مواطنيها بشكل أكثر شمولاً من أي مجتمع آخر؟
الطريقة الوحيدة للإجابة عن هذين السؤالين هي عبر استخدام البيانات التطبيقية. ويعتبر الغذاء والمأوى والصحة والتعليم والتوظيف أهم الحاجات الأساسية الضرورية للإنسان. ولكن هل حسنت سنغافورة من إمداد مواطنيها بهذه الحاجات الأساسية أسرع من أي مجتمع آخر؟
عندما انفصلت سنغافورة عن ماليزيا عام 1965، كانت إحدى دول العالم الثالث التقليدية. وكان متوسط الدخل الفردي فيها يصل إلى 500 دولار أميركي.
منجزات قيمة
وقضت سنغافورة على سوء التغذية بسرعة كبيرة، وارتفع دخل الفرد من 500 دولار أميركي في حينه إلى 55 ألف دولار أميركي اليوم، وهي أكبر زيادة تتمتع بها دولة تنال استقلالها حديثاً. قصة نجاح سنغافورة الخاصة أمر مذهل. وتمكنت سنغافورة في ثمانينيات القرن العشرين من تقليل نسبة الوفيات بوتيرة أسرع من أي مجتمع آخر بالانخفاض من 35 لكل 1000 عام 1965 إلى 10.90 في عام 1985.
وهناك الكثير من المجالات الأخرى التي تحتل فيها سنغافورة مرتبة الصدارة اليوم، مقارنة بتلك التي كانت مليئة بالأحياء الفقيرة، فاليوم هناك في سنغافورة أعلى نسبة ملكية للمنازل في العالم، حيث يمتلك 90% من السكان منازلهم، وينطبق ذلك على ما نسبته 20% من الأسر الأدنى مدخولاً في سنغافورة.
سر النجاح
إذاً، لماذا نجحت سنغافورة بشكل كبير جداً؟ الجواب البسيط يتمثل في القيادة الاستثنائية. فالكثير في العالم سمعوا بشخص لي كوان يو، رئيس الوزراء المؤسس الذي توفي في مارس الماضي. وسمع عدد أقل بكثير من الأشخاص بالدكتور جوه كنج سوي، مهندس المعجزة الاقتصادية في سنغافورة، وإس راجاراتنام، الفيلسوف بدرجة امتياز في سنغافورة.
معاً شكل هؤلاء القادة فريقاً استثنائياً، وطبقوا ثلاث سياسات استثنائية، وهي الجدارة والبراغماتية والأمانة. فالجدارة تعني أن البلاد تختار أفضل مواطنيها لإدارتها، وليس أقارب المسؤولين. وتعني البراغماتية أن البلاد لا تحاول إعادة اختراع العجلة. والأمانة تعد الأمر الأصعب في تحقيقه، فالفساد هو السبب الرئيسي في فشل دول العالم الثالث.
وعلى الرغم من كل المميزات في سنغافورة، فلا يزال هناك كثير من المنتقدين. فينظر إلى نظامها السياسي بشكل كبير على أنه «دكتاتورية أنيقة»، على الرغم من أن الانتخابات الحرة كانت تعقد في البلاد مرة كل خمس سنوات. وينظر إلى الإعلام فيها على أن الحكومة هي التي تديره، وقدرت منظمة «صحافيون بلا حدود» عام 2015 أن البلاد تحل في المرتبة رقم 153 من أصل 180 على مؤشر حرية الصحافة، وهو ما تنتقده كثير من منظمات حقوق الإنسان. ومن دون شك، فإن معظم هذه الانتقادات ذات معنى، على الرغم من أن شعب سنغافورة يعد من أفضل الشعوب المتعلمة على مستوى العالم.
تجارب مميزة
تختار أكثرية المواطنين البقاء في سنغافورة. وتنازل بعض أكثر الأشخاص موهبة من دول العالم بمن فيهم الأميركيون والأوروبيون عن جنسياتهم كي يحملوا الجنسية السنغافورية.
وربما يكونون قد لاحظوا ما لم يلاحظه الإعلام الغربي، فسنغافورة تعد أحد أفضل الأماكن للعيش في العالم.
