مزقت الحرب الأهلية التي تعصف بجنوب السودان، منذ سنة ونصف السنة، أوصال البلاد، وسقط تحالف القبائل المتعددة الذي حكم الجنوب بعد استقلاله عن السودان عام 2011، واحتدم الصراع بفعل المطامع الشخصية لقادة الفصائل المتناحرة ضمن الحزب الحاكم، كما نشب النزاع حول مسألة تعاون حكومة جنوب السودان أو لا في محاولة إزاحة الحكومة السودانية في الخرطوم.
وعلى الرغم من أن الصراع لم تطلقه شرارة الحرب القبلية، إلا أن كلاً من الرئيس سيلفا كير، من قبيلة الدنكا، ومنافسه نائب الرئيس السابق ريك مشار، من قبيلة النوير، لجآ إلى الولاءات القبلية لحشد المناصرين .
وشهدت الحرب منذ اندلاعها مقتل عشرة الآلاف من الأشخاص ونزوح أكثر من 2.2 مليون غيرهم في ظل المجاعة القائمة. وعقدت جولات عدة من المحادثات منذ عام 2014، إلا أنها فشلت جميعها، في حين أن المحادثات متوقفة حالياً، بسبب معوقات متمثلة بجانب منها بالنزاعات حول السلطة. وقد حث الرئيس الأميركي باراك أوباما من أديس بابا، أخيراً، الأحزاب على التوصل لاتفاق سلام بحلول 17 أغسطس أو مواجهة المزيد من العقوبات.
لكن تلك الإجراءات لا تغير حسابات الفصائل المتحاربة. وهناك حاجة ماسة لمقاربة جديدة كلياً إذا فشلت المفاوضات الحالية المرشحة لذلك، سيما وأن محادثات الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) قد فشلت في التوصل لاتفاق لعدم وجود وسطاء غير منحازين. ويجب على حكومة الولايات المتحدة والدول الأوروبية إطلاق محادثات جديدة ورعاة جدد.
ويفترض بأميركا ودول أوروبا بذل جهد دبلوماسي رفيع المستوى، سيما مع رؤساء إريتريا وأوغندا لمحاولة إدخال البلدين على خط محايد في حل الصراع.
ويتوجب ضم كبار المسؤولين العسكريين من الجانبين في المفاوضات، في خطوة تضمن تطبيق محصلات المفاوضات.
ما إن يتم التوصل إلى اتفاق سلام عملي، سيما في ظل سوابق واعدة مماثلة، يتعين حض دور العبادة المحلية، ومجموعات المجتمع المدني على إطلاق مبادرات تسوية جذرية تعنى بشكل خاص بالتخفيف من حدة التوترات بين أفراد قبيلتي الدنكا والنوير. وتعتبر الكنائس على وجه التحديد، وهي الجهة التي تزعم ولاء ما يزيد على 60 بالمئة من السكان، لاعباً وطنياً مهماً يتمتع بالسلطة الأخلاقية ونفوذ يتخطى حدود القبيلة والمنطقة. وكانت الكنائس، قبل العام 2011 توفر جزءاً يسيراً من الخدمات العامة في المناطق المتضررة، وتضطلع بدور الوسيط في حل النزاعات المحلية.
ويتعين على هيئات المساعدة الدولية تمويل تدريب القادة الروحيين حول تقنيات التوسط ووضع برنامج أولي لإنشاء لجان حل النزاعات المحلية من خلال هؤلاء القادة، تترافق مع رؤية تشمل البلاد بأسرها.
لا يساهم وضع اتفاقية وقف إطلاق نار إنسانية ملحة في وقف الكارثة الإنسانية وحسب، يعمل على بناء الثقة بين الأحزاب، مما يمهد لإجراء مفاوضات أوسع نطاقاً لحل القضايا السياسية العالقة والمتعلقة بتفشي الفساد، وتوزيع الثروة النفطية ووضع دستور جديد، وهي جميعها قضايا لا بد من حلها لعودة السلام والاستقرار السياسي لبلد عانى طويلاً.
معبر
ينبغي على الوسطاء وضع اتفاقية وقف إطلاق نار في المناطق التي تنتشر فيها المجاعة. وفتح معابر بمساعدة أميركا لوصول الغذاء وبرامج الرعاية الصحية بسرعة للمتضررين. ويمكن لتطبيق برامج وصول المساعدات أن يخضع لإشراف جهة دولية محايدة مثل النرويج، التي سبق أن حققت نجاحاً في هذا المجال.

