حقق الاتفاق الإيراني، الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة والقوى الكبرى في العالم، ما عجز عنه كمّ المواقف السياسية والتهديدات الغامضة بتحركات عسكرية. كما أنه وضع حدوداً صارمة ومحددة لقدرة إيران على تطوير سلاح نووي للسنوات العشر، أو الخمس عشرة المقبلة، في ما يعتبر واحداً من أهم الاتفاقات السياسية في تاريخ الدبلوماسية الحديث، الذي يتمتع بالقدرة ليس على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل لإعادة تحديد ملامح سياسة منطقة الشرق الأوسط ككل.
وكان الاتفاق الذي تمخض عن عشرين شهراً من المفاوضات الشاقة سيكون جديراً أكثر بالاحتفال لو أن إيران وافقت على تفكيك جميع المواقع النووية. إلا أن إمكانية حدوث ذلك كانت شبه معدومة، حيث إنه حتى لو تمّ تدمير كل المنشآت والمواقع النووية في إيران، لا يمكن لأحد التخلص من القدرة المعرفية التي اكتسبها العلماء الإيرانيون بعد العمل على مشاريع نووية لعقود من الزمن.
ويبدو الاتفاق، وفق وصف الرئيس الأميركي باراك أوباما وعدد من المسؤولين الآخرين، مقبولاً ويخدم بشكل واضح مصالح الولايات المتحدة، والدول الأخرى التي عملت على صياغته، إضافة إلى إسرائيل. ومقابل رفع العقوبات الاقتصادية التي تتم على مراحل، تعمل إيران على تقليص مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب، الذي يمكن تطويره لصناعة وقود القنابل، وتقليص عدد أجهزة الطرد المركزية العاملة إلى الثلثين، ليصل عددها إلى 5060 جهازاً فقط. وتعني تلك القيود أنه إذا قررت إيران انتهاك الاتفاق، والعمل على إنتاج قنبلة نووية، فإنها تحتاج إلى عام كامل قبل أن تتمكن من إنتاج الوقود اللازم لإنتاج قنبلة واحدة، مقارنة ببضعة أشهر اليوم.
وتطبق الكثير من قيود الاتفاق على امتداد من عشرة إلى 25 عاماً، في حين أن بعض تلك الضوابط لاسيما المتعلق بموافقة إيران على الخضوع للمراقبة المستمرة والمتطورة تكنولوجياً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ستبقى إلى ما لا نهاية، تماماً كما التزامها، وفقاً لمعاهدة حظر الانتشار النووي، بالامتناع كلياً عن إنتاج أي سلاح نووي.
سيحظى المفتشون الدوليون بإمكانية الوصول إلى مواقع مريبة «حيث الضرورة وفي الأوقات الضرورية» على حد قول أوباما، وإن كانت إيران تخدع، فسيتم اكتشافها بشكل مبكر بما يكفي لتوجيه ردّ يتضمن العودة سريعاً لفرض العقوبات، أو اللجوء لتحرك عسكري.
وكاد الاتفاق يذهب أدراج الرياح بفعل طلب إيران وروسيا بأن تقوم الأمم المتحدة فوراً برفع الحظر على شراء وبيع الأسلحة التقليدية والصواريخ الباليستية. إلا أنه نص في النهاية على إبقاء الحظر على المتاجرة بالأسلحة التقليدية لخمس سنوات والصواريخ الباليستية لثماني سنوات، واشترط تقيد إيران التام بها.
ويشكل مثاراً للقلق استخفاف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالاتفاق، ورفضه فور توقيعه ووصفه بـ«الخطأ التاريخي». وقد أبدى نتنياهو، وجمهوريو مجلس النواب الأميركي، كما غالبية المرشحين الرئاسيين الطامحين المنتمين للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة اعتراضهم على المفاوضات مع إيران منذ البداية، إلا أنهم لم يقدموا بديلاً موثوقاً للتوصل إلى تسوية بالتفاوض. وها هم اليوم يكررون الصيغة ذاتها، التي تدين الاتفاق دون تقديم بديل.
ومع هذا ينبغي ألا تساور الأوهام أحدا بشأن إيران، التي تعتبر إسرائيل عدواً أكيداً، وغالباً ما تدين الولايات المتحدة، وتقدم الدعم لحزب الله اللبناني، والمنظمات الإرهابية الأخرى، وتطمح للحصول على نفوذ أكبر في المنطقة.
لا يشكل توقيع الاتفاقي النووي مع إيران سوى الخطوة الأولى، حيث يتعين على مجلس النواب الأميركي مراجعة بنوده والتصويت عليه. وقد تعهدت بعض الجهات النافذة بالتصدي للاتفاق، ويجب على أوباما أن يبلي بلاء حسناً جداً في تعهده بنقض أي قرار يقضي بعدم الموافقة على الاتفاق، حيث سيكون من التسيب تضييع فرصة السيطرة على البرنامج الإيراني النووي.
ضخ السيولة
يرادف رفع العقوبات عن إيران الوصول المباشر إلى مليارات الدولارات من حسابات قابعة في المصارف الدولية كانت بحكم المجمدة، كما هي الحال بالنسبة لصادرات النفط الجديدة والصفقات التجارية الأخرى.
ويشير المسؤولون الأميركيون إلى أن إيران ستحصل على الأموال على دفعات مجزأة، وليس دفعة واحدة، وأن أولى أولوياتها يجب أن تتمحور حول التعامل مع الاحتياجات المحلية الملحة. والأهم من ذلك أن عدداً من العقوبات المفروضة أميركياً ستبقى مندرجةً في إطار سريان المفعول، حتى بعد تطبيق الاتفاقية، وهي تتضمن باقةً من المسائل المتعلقة بدعم إيران للإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان. ويتعين على الولايات المتحدة أن تكون في غاية اليقظة في مراقبتها لكيفية استخدام إيران لتلك الأموال في تطبيقها فرض العقوبات.
