شكلت تونس بلد أحداث الربيع العربي الوحيد الذي نجح في إنشاء المؤسسات الديمقراطية بعد إنهاء حكم الديكتاتور التونسي السابق زين العابدين بن علي عام 2011. وفي حين أن معدل الأمية قد انخفض منذ إحصاءات عام 2004 من 23.3 في المئة إلى 18.8 في المئة، فإنه لا يزال أسوأ من المعدل العالمي العام. وعلى الرغم من اعتباره البلد الذي يضم الشعب الأكثر تعليماً في العالم العربي، لا تزال تونس تحتل المرتبة الـ12 في ترتيب البلدان العربية الاثنين والعشرين، من حيث التعلم.

أما أمية الإناث التي تبلغ 25 في المئة، فإنها ضعف معدل أمية الذكور. ويشكل استمرار الأمية، لا سيما في المناطق الريفية وفي أوساط النساء، دلالةً على انهيار النظام التعليمي غير المجهز لتعليم المواطنين وإعدادهم لتونس ديمقراطية جديدة.

وفي مناطق مثل الركدة، حيث نسبة الأمية هي الأعلى، يساهم غياب البنى التحتية، والفقر والمبادئ المحافظة، وأمية عدد من الأجيال المتعاقبة في استمرار المشكلة. وتمارس في تلك المناطق ضغوط على الأولاد لترك المدرسة ومساعدة الأهل، حيث السن القانونية للطلاب في تونس هي 14 سنة، في حين أن سن العمل هي 18 سنة. إلا أن عدداً من الشباب يدخلون سوق العمل في عمر أصغر، وفقاً لبوزيد نصيري مدير البرامج والإحصائيات في وزارة التعليم التونسية، الذي قال: «يجبر بعض الآباء أولادهم على ترك المدرسة في عمر مبكر، ويرغمونهم على العمل للمساعدة في إعالة العائلة».

وفي حين أن التعليم مجاني عملياً، يبقى على الطلاب دفع ثمن الكتب والحاجيات المدرسية. أما بالنسبة للنساء فإن القيم المحافظة تشكل عائقاً إضافياً للتحصيل العلمي. وبالنسبة للعائلات ذات عدد الأبناء الكبير والموارد المحدودة يختار الآباء إرسال الفتية للمدرسة وإبقاء الفتيات في المنزل.

حتى بالنسبة لأولئك الذين يتلقون التعليم، فإن النهج التربوي قائم على الحفظ، ويقول المحلل السياسي يوسف الشريف في هذا الصدد: «المنهج التربوي لا يتيح للناس المجال للتفكير التحليلي». ويشير أيضاً إلى أن النظام الاستبدادي الذي كان يحكم البلاد قد تعمد اتباع هذا المنهج كوسيلة للسيطرة على الناس.

ويقول مسعود رمضاني من المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية: «سواء كنت لا تزال ملتحقاً بالمدرسة أو تركت التعليم، فإنك تعيش ضمن بيئة لا تتيح لك التأقلم مع الديمقراطية». ويضيف إنه حتى بالنسبة للأشخاص المتعلمين الذين تنقصهم المهارات التحليلية، فهم غير مجهزين لأن يشكلوا مواطنين مثقفين.

تعي وزارة التعليم وجود هذه المشكلة، وقال نصيري أحد ممثلي الوزارة: «نعترف بأن النظام ليس مثالياً». وهناك برنامج مشترك بين كل من المجتمع المدني ووزارتي التعليم والنقل يهدف إلى إطلاق برنامج النقل المدرسي للعام 2016 2017 الأكاديمي من أجل تسهيل عملية توصيل الطلاب إلى مدارسهم. كما أطلقت وزارة التعليم، أخيراً، حواراً وطنياً لمناقشة كيفية تطوير المناهج التعليمية لترتقي إلى مستوى المعايير المعاصرة وإضافة الرياضة والنشاطات الثقافية والترفيهية إلى المدارس وفقاً لنصيري، الذي قال: «إن أحد أهدافنا الأولوية بعد الثورة بدء بناء المواطن الضامن لكرامته، والناشط المشارك في صنع القرارات وإسماع صوته».

بالعودة إلى ركدة، تقف ملك رمضاني في ملعب مدرستها المغبر، وتقول بصوت هادئ ملؤه الإصرار: «أريد أن أصبح طبيبة، يمكن للتعليم أن يعود بالكثير من الفوائد علي وعلي بلدي». ويبقى السؤال ما إذا كانت وزارة التعليم ستتمكن من منح طلاب مثل ملك فرصة تحقيق طموحاتهم وتحويلهم إلى مواطنين متكاملين في تونس الديمقراطية.

تطور

يعزو بوزيد نصيري، مدير البرامج والإحصائيات في وزارة التعليم التونسي، انحسار مستوى الأمية منذ عام 2004 إلى حضور الطلاب في الصفوف الأساسية حول العالم، المفروض قانوناً، وتطبيق برنامج محو الأمية للكبار. غير أن النقاد يشيرون إلى أن التعليم الأساسي العالمي ليس إلا حبراً على ورق.