يقول بعض النقاد والسياسيين في الولايات المتحدة إنه ليس على أميركا قيادة المعركة ضد تنظيم «داعش»، لكن هناك أسبابا تفسر لماذا تظل هذه معركتها. فلقرابة نحو اثني عشر عاما مضت، كان من الواضح، عندما سقطت الفلوجة بأيدي المسلحين السنة، أن المدينة قد تكون معقلا للمتطرفين، الذين يحاولون تمديد تأثيرهم الطالباني عبر المنطقة، وكان من الواضح أن منع حدوث ذلك الأمر بالنسبة إلى واشنطن يعد أمرا بالغ الأهمية، وذلك لأمن أميركا الخاص وليس أمن العراق فحسب، وقادت القوات البحرية الأميركية القتال للسيطرة على الفلوجة أواخر عام 2004، في واحدة من أكثر المعارك شراسة وتكلفة.
مخاطر متزايدة
وعلى الرغم من ذلك، لا يزال تنظيم «داعش» اليوم الذي تمتد جذوره مباشرة إلى القاعدة في العراق فضلا عن المسلحين السنة الذين واجهتهم أميركا قبل عقد من الزمن يسيطرون على الفلوجة والرمادي والموصل وعلى مساحات كبيرة من العراق وسوريا، وبعد أحداث 11 سبتمبر، بات من المعروف لأميركا أنها لا تعيش في فقاعة محمية، وعليها أن تفهم أن نفي تهديدات «داعش» يزيد من المخاطر التي قد تواجهها.
وكانت الولايات المتحدة على علم بخطط تنظيم «داعش» لأكثر من عقد مضى، وفيما يلي مقتطف من رسالة أيمن الظواهري، القائد الحالي لتنظيم القاعدة ،التي وجهها إلى أبي مصعب الزرقاوي زعيم التنظيم السابق في العراق عام 2005 يقول فيه: «هدفنا المنشود في هذا الوقت هو تأسيس الخلافة، والمرحلة الأولى هي إخراج الأميركيين من العراق، والهدف الثاني هو تأسيس سلطة أو إمارة إسلامية ومن ثم تطويرها ودعمها حتى تصل إلى مستوى الخلافة لتمتد على أكبر رقعة ممكنة من الأرض، والمرحلة الثالثة توسيع موجة الجهاد لتصل إلى الدول العلمانية المجاورة للعراق، والمرحلة الرابعة قد تتزامن مع ما سبق، وهي قتال إسرائيل لأنها تأسست فقط لتتحدى أي كيان إسلامي جديد».
استراتيجية جديدة
وفي يوليو عام 2007، حذر الجنرال جيمس كونوي القائد في قوات البحرية الأميركية بقوله: «من الأهمية بمكان أن يفهم مسؤولونا المنتخبون استراتيجية أعدائنا» ،وأضاف إنه بعد تحقيق نصر إسلامي في العراق ،فإن «المرحلة المقبلة تتضمن تدمير إسرائيل وتدمير الهجمات الإرهابية في الغرب، وفي حال لم نقم بوظيفتنا على الوجه الصحيح في العراق من المرة الأولى، فإننا سنتراجع، والأمور غالبا ما تكون أصعب في المرة الثانية».
والمرة الثانية الأكثر صعوبة حانت الآن، إلا أننا كدولة لسنا متأكدين ماذا نفعل فيها، فالاستراتيجية الوطنية الأمنية الجديدة تدعو إلى «صبر استراتيجي ومثابرة»، وتؤكد بناء شراكة« على الرغم من أن الصبر قد يولد اللامبالاة ما لم يبن على أساس قوي من الالتزام الاستراتيجي والقيادة، وسيكون الشركاء والحلفاء غير راغبين في فعل الأمور ذاتها التي لا نقدم عليها نحن».
وتعمل القوات الأميركية مجددا داخل العراق وفي أجوائه ،إلا أن علينا مقاومة إغراء تصديق أن بعض الآلاف من المدربين العسكريين والمستشارين، والشركات الخاصة ووسائل دعم القوة الجوية يعني صراعا خاليا من المخاطرة. وفي الوقت القريب أو البعيد سيسفك الكثير من الدم الأميركي ربما من خلال ضربات داخل أميركا، ويتوجب على المواطنين الأميركيين مواجهة هذا الأمر الآن، بدلا من إبداء رد فعل لاحق.
نمو التنظيم
الحضور الأميركي المحدود في المعركة يحض تنظيم «داعش» على النمو، ويسمح أيضا لمن ليسوا أصدقاء للولايات المتحدة بملء الفراغ، حتى لو عنى ذلك تقديم الميليشيات الشيعية في العراق أو روسيا المساعدة للدول المهددة، وانتقل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى روسيا من أجل «تطوير العلاقات بين الدولتين، وتوسيع الاستخدامات العسكرية والعمليات الأمنية ودعم القوات العراقية في وجه التطرف».
يتوجب علينا أن لا ننسى كلماتنا، فأميركا ضحت بالكثير من الدماء والثروات، إلا أن أكثر من عقد من الوعود جعل من العراقيين مواطنين مهمشين، فهل لم يعد شرفنا الوطني أو سمعتنا العالمية مصلحة استراتيجية حيوية؟
