كتب دبلوماسي أميركي سابق ذات مرة يقول إن استراتيجية المحافظين الجدد في «تغيير النظام» قد أثبتت تكلفتها الباهظة مالياً وكارثيتها استراتيجياً، فأشعلت نيران الحروب في دول منطقة الشرق الأوسط قاطبةً، وبالكاد استخلصت منها الدروس، أو خضعت للمحاسبة، أو طرحت حولها الأسئلة.

من الواضح أن الولايات المتحدة، وبريطانيا ربما، وتركيا وبعض دول المنطقة على وجه التأكيد تقف على قاب قوسين أو أدنى من تصعيد أساسي للحرب فيما يمكن تسميته اليوم بـ «العراق وسوريا سابقاً». لكن هل تعتبر هذه الخطوة عقلانية؟ وهل نستقي الدروس من التدخلات السابقة؟ وأخيراً، هل من شأن هذا التدخل أن يحقق الهدف المزعوم بتحسين الأوضاع وجلب الاستقرار لأميركا وللمنطقة في آن؟

تلك أسئلة يتعين على أميركا طرحها اليوم، وليس بعد وقوع الواقعة، ولعلها تطرح فعلاً داخل قاعات الاجتماعات الحكومية. إن كان الأمر كذلك، فمن المؤكد أن الذين يسألونها لا يشاركوننا أجوبتها، إذا وجدت. وبما أننا جميعاً ندفع فاتورة أي قرارات متخذة، فإننا نملك، على حد تعبير الحكومة، «حق المعرفة».

لا أملك الوصول إلى طريقة تفكير الدوائر الداخلية للحكومات، ويبدو من الصيغ الهزيلة في الإعلام، أن لا أحد يفعل ذلك. إلا أن سنوات الخبرة الـ69 من معاينة أحوال الشرق الأوسط ودراستها تزودني بإطار عمل يتيح لي وضع الأحداث في مكانها، لذا دعوني أضع إجابات أسئلة ينبغي على المواطنين طرحها:

أولاً هل نفكر منطقياً أو عاطفياً؟ ويعني هذا لي كمخطط سياسي عتيق «هل نزن الأمور قبل التصرف؟» للأسف، يظهر سجل الأحداث أننا نقفز قبل أن نفكر.

ففي ليبيا لم نكن نحب الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، الذي على الرغم من ذلك رفع المستوى المعيشي لشعبه، وحال دون اقتتال القبائل والخصوم السياسيين. ولكن بعد مساندة أميركا لسياسة «تغيير النظام» عام 2011، قُتل القذافي وماتت معه جميع النتائج الإيجابية لحكمه. وماذا حلّ مكان ذلك؟ الفوضى والمزيد من القتل.

وكما قال رئيس وزراء إيطاليا ماتيو رينزي، الذي يجتاح بلاده سيل من اللاجئين، كان علينا التفكير في العواقب قبل الإطاحة بنظام القذافي.

وفي العراق لم نكن نحب الرئيس صدام حسين أيضاً، الذي أصبح العراق في عهده واحداً من أكثر المجتمعات تقدماً في آسيا، حيث كان المواطنون ينعمون بمجانية التعليم، والرعاية الصحية، وارتفاع مستوى المعيشة. وفي العام 2003، تخلصت أميركا منه، وتفوقت في القضاء على «عراق صدام»، إلا أنه لم يعد هناك من شيء جيد يقال عن القادة والمؤسسات التي احتلت مكانه.

أما في أفغانستان، فقد غضب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش لعدم تسليم الأفغان رئيسهم كما أمروا، بسبب تقاليد ثقافية وقوانين بالكاد كانت إدارة بوش على علم بها. وحصل اجتياح أفغانستان، وتم تنصيب قادة قيل إنهم موالون لنا، ومورست سياسة ضخ المال الذي انتهى في جيوب المسؤولين الفاسدين. وتفككت أفغانستان وقمع تجار المخدرات الناس وسادت الفوضى ولم يعد هناك من منطقة آمنة واحدة في البلاد بأسرها.

وأصدر جون سوبكو، المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان المفوض من مجلس النواب الأميركي، أخيراً، تقريراً آخر عن انعدام الكفاءة، والهدر والفساد الذي تطرق هذه المرة إلى اختفاء مبلغ صغير نسبياً لا يتعدى 210 ملايين دولار أنفقت على مرافق حدد مواقعها عملاء مزيفون.

الحقيقة المؤلمة هي أن المسؤولين الأميركيين لم تكن لديهم خطط لما بعد التدخل في أفغانستان، والعراق أو ليبيا، التي تعيش حرباً مكلفة لامتناهية. وبدلاً من جعل الشعب الأميركي بمأمن أكثر، أتوقع أن يطال الدمار «الشامل» اعتداءات على كل من أميركا وأوروبا والمصالح الغربية في الخارج. وستنطوي مضاعفات ذلك على تزايد الخوف، وانعدام الثقة، وتقويض الحضارة المدنية.

وكما حذرنا الرئيس الأميركي السابق جورج بوش حين قال: « عادةً ما يكون السلام، وأحياناً حرية الدول ربما، هما ضحية التصرف غير الحذر. علينا أن نتعظ من تلك النصيحة، ونعمل بها».

خطأ

كانت الكلفة البشرية والمالية لتدخلات أميركا في المنطقة باهظة، حيث قتل مئات الآلاف ودمرت المدن، وأنفقت خمسة تريليونات دولار من أموال دافعي الضرائب في أميركا. فهل تلك محصلة ينبغي التعلم منها؟

لا أرى مؤشرات على ذلك، إلا أن محاولة العثور على أمور إيجابية لتلك المغامرات، لا تفضي إلا إلى لحظات نجاح تكتيكية في ظل غياب الاستراتيجية. فجل ما نعرفه هو كيف ندمر الأبنية، ونجد المتمردين ونقتلهم ونضخ أموالاً هائلة، ما لا نعلمه هو إذا كان يجب فعل ذلك أو لا.

إننا نفعل ذلك لأننا نعلم كيفية القيام به، إلا أن المحصلة لا تكون أبداً بالحسبان. فحين يتم تدمير المؤسسات القائمة، أو إفسادها، ينشأ التمرد، وينهار القانون والنظام.