لا بد للعالم من التوقف أمام مشهدين مؤلمين على ساحة الحرب السورية، أحدهما لأطفال يصطفون خلف 25 جندياً في مدينة تدمر التاريخية وهم يصوبون مسدساتهم إلى رؤوسهم، والثاني لطفل قتل في منزله في حلب إثر سقوط برميل متفجرات على جسده دون أن ينفجر فعلاً.
ويصطف الجنود الخمسة والعشرون في المشهد الأول، حسب مقطع الفيديو الذي بثه تنظيم «داعش» عبر موقع يوتيوب، أخيراً، على مسرح المدرج الروماني، حيث يستعرض الأطفال المنفذون للإعدام قبل أن يصطفوا خلف ضحاياهم. ثم تطالعك صورة أخرى يظهر فيها طفل من حلب مضرج بالدماء، خال من الحياة، وكأنه يعانق برميلاً عجز عن الانفجار.
ويصعب القول أي الجريمتين هي الأفظع، حيث إن المذنبين في كل منهما يندرجون في إطار أسوأ شريري سوريا. فتنظيم «داعش» يدرب جيلاً من أطفال سوريا ليغدو متوحشاً، فيما ترسل تكتيكات الرئيس السوري بشار الأسد آلاف الأطفال إلى القبور باكراً.
أما في المناطق التي تخضع لسيطرة «داعش»، فيجبر غياب الخيارات عدداً من الأطفال على الانضمام إلى صفوف التنظيم. ويزيد الحال سوءاً واقع انعدام الفرص وانسداد كل الطرق المؤدية للعثور عليها.
وإنني كسوري أشعر بالذنب لتحذير طفل أو مراهق من وعود المهربين بأخذهم إلى أوروبا.
وليست الأوضاع في بقية المناطق السورية أفضل مما هي في حلب. وعلى الرغم من أن أخبار «داعش» تحتل العناوين، يبقى نظام الأسد القاتل الأول بلا منازع. نادراً ما تصل المعاناة اليومية التي يسببها النظام إلى النقاشات العامة، إلا أن تسليط الضوء على أعمال العنف غير المتكافئ للنظام يجدي نفعاً. إضافةً إلى العامل الإنساني، يشوه عدم التركيز على فظاعات النظام و «داعش» الحقيقة، ويولد شرخاً بين نظرة الخارج والسوريين أنفسهم لحل الصراع.
ويتجلى هذا الأمر بوضوح تام في فشل برنامج التدريب والتجهيز الأميركي في جذب ما يكفي من القاتلين، لأنه يطلب من المتطوعين التركيز على «داعش». فبعد مرور عام على إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إطلاق البرنامج، لم ينضم إليه أكثر من 200 سوري. كما أن المنضمين للبرنامج تتم معاملتهم كمرتزقة من قبل المتمردين، طالما أنهم يركزون جهودهم على التنظيم وليس النظام.
تزداد الأوضاع في سوريا سوءاً، ولو بشكل صامت في معظم الحالات. ويبقى التحدي الرئيسي اليوم، طالما أن النهاية الحتمية للصراع ليست واردة الآن، في تقليص تأثير المعاناة ودعم الناس على الأرض.
ولا يزال هناك بعض الأبطال الحقيقيين الذين يضحون بحياتهم من أجل مساعدة مجتمعاتهم أو سرد قصصهم. فيخاطر المتطوعون في حلب بحياتهم مثلاً، لإنقاذ العالقين أو المصابين من قصف البراميل المتفجرة، الذين يقال إنهم أنقذوا ما يقارب 22 ألف شخص متأذين من البراميل المتفجرة.
طالما يتم التغاضي عن معاناة وتضحيات الشعب على الأرض، لا يمكن للعالم أن يتوقع وجود شركاء حقيقيين في الصراع. وليست وحشية نظام الأسد أقل بربريةً من «داعش»، بل على العكس فإنها تساعد في تكريسها.
معاناة
لقد فقد آلاف الأطفال السوريين كل ملامح الطفولة في غياهب الصراع المروع. كما قتل الآلاف منهم. وتكفي زيارة لأحد مخيمات اللاجئين السوريين أو الاطلاع على مقاطع الفيديو على يوتيوب لرؤية الأطفال الذين قطعت أطرافهم بفعل التفجيرات والقصف العشوائيين.

